واضح أن السياق الذي شهد حدث إنشاء هذا الحلف، هو تلويحة مبطنة ضد طهران، وهي فضلا عن ذلك مؤشر على أن عملية الهروب من الشرق الأوسط جارية على قدم وساق، ولا بد من خلف يشوش على مخرجات انتصار طهران بالنقاط، لأن حسابات إقليمية أخرى لا زالت مفتوحة، ودائما وجب استحضار مفهوم ونظرية الهروب الاستراتيجي.
د. ادريس هاني
سبق وأكدنا مرارا على أهمية الاحتمال في استشراف مسارات ومخرجات الأحداث وتجنب الحسم واليقينيات الرخوة قصد الإثارة والانفعال، فالتاريخ لا يستشيرنا في إنجاز مكره، كما لا قيمة للمجاملة في بناء الموقف الاستراتيجي، لأن لا حدود للانتهازية في ملعب السياسة، كما لا مجال للاستهانة بالعقل السياسي للهزيمة والتبعية، فهي مصممة إلى الأبد على حراسة الهزيمة بعبقرية الخطط وإتقان تنفيذ اللعب بقواعد مقرر من قبل واضع اللعبة، أي ما سماه بريجنسكي في توزيعه الكلاسيكي باللاعبين الجيوستراتيجيين إلى جانب المحاور الجيوسياسية. وحين ركزنا ذات يوم على هذا المفهوم وكيف يفكر صناع اللعبة في منطقة غرب آسيا، ظن من ظن بأننا بصدد الإنشاء والتقوال جريا على نمطهم، لكننا اليوم وجدنا أنفسنا رغم خياشيمنا، في ذروة هذه الجدلية بين اللاعبين الجيوستراتيجيين و المحاور الجيوسياسية.
ما يجري اليوم في المنطقة، هو تشخيص لمحتوى هذه المفاهيم. وكمثال على ذلك، يعتبر التحالف الثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، الحدث الأبرز اليوم في المنطقة، ليس فقط إحياء لهذا المنظور اللامفكر فيه، بل هو مؤشر أيضا على دخول دول أخرى في خانة اللاعب الجيوسياسي، بعد أن لم يكونوا كذلك، وربما أصبحنا إزاء مفهوم المحور الجيوسياسي المؤقت. ومن هنا نفهم غياب مصر عن الحلف، وذلك لسببين بسيطين، هما: أولا، أن صانع اللعبة الجيوستراتيجي لم يمنحها هذا الامتياز، فضلا عن أن عنصرا ثابتا في المعادلة، ألا وهو الاحتلال، لن يقبل بمصر في أي دور جيوسياسي، مهما تظاهرت بحسن السلوك الإقليمي والدولي. فالاحتلال لا يثق ولن يثق في مصر. وهناك معطى آخر يتعلق بموقف كل من مصر والإمارات من الإخوان المسلمين، وهذا المعطى الثاني غير مستبعد، ولا يمكن الاستهانة به.
واضح أن السياق الذي شهد حدث إنشاء هذا الحلف، هو تلويحة مبطنة ضد طهران، وهي فضلا عن ذلك مؤشر على أن عملية الهروب من الشرق الأوسط جارية على قدم وساق، ولا بد من خلف يشوش على مخرجات انتصار طهران بالنقاط، لأن حسابات إقليمية أخرى لا زالت مفتوحة، ودائما وجب استحضار مفهوم ونظرية الهروب الاستراتيجي.
لا نناقش اليوم مدى قدرة الحلف المذكور على تغيير المعادلة، بل لا نناقش طبيعة المفارقات التي تحيط به، لعل أقلها: ماذا لو نشبت حرب بين الهند وباكستان، مع من سيقف الاحتلال وحليفته؟
ومع ذلك ستتواصل المفارقة الإقليمية، لأن هناك إعادة توزيع المصالح و المفاهيم. هذا الحلف هو نفسه الذي لعب دورا فعالا في الحرب على الاتحاد السوفياتي.
حلف كهذا، لن يكون فكرة ومبادرة مستقلة اتخذتها المحاور الجيوسياسية نفسها دون إشارة من اللاعب الجيوستراتيجي الكبير. فهل يا ترى تملك مصر والإمارات مثلا أن تنشيء حلفا آخر ينتهي بشرخ داخلي وتفجير المنطقة عبر خلق أحلاف إقليمية صغرى؟ قد يكون الغرض من الحلف هو تفجير الإقليم عبر بناء تحالفات مضادة، إذ لم يتم تحديد من هو العدو. لم تهدد طهران لا تركيا ولا باكستان حيث تربطهما علاقات دقيقة. كما لم يكن في وارد طهران تهديد الرياض تهديدا وجوديا، وبينهما علاقات في الحد الأدنى ديبلوماسية. من هو العدو الذي يهدد الحلف الثلاثي؟
من يعتقد أن هذا الحلف هو خير مبدئيا ، فعليه أن يختبر موقف الحلف المذكور من الاحتلال؟ وهل هو قادر على إيقاف زحف الاحتلال في المنطقة؟
هل تركيا بدأت تتحسس رقبتها بعد التهديد المبطن من قبل بعض قيادات الاحتلال؟ وهو التهديد نفسه الموجه إلى باكستان؟ هل يتوقع انضمام طهران إلى حلف هو أصلا مقرب من واشنطن؟ وحتى لو أدرك من أدرك من محاور المنطقة بأن الحليف الأمريكي لم يعد قادرا على تأمين حماية دول الخليج الفارسي، فلن تملك هذه الأخيرة قرار إحداث حلفا بديلا أو مكملا دون إذن واشنطن.
من يتأمل الخريطة والسياق الجيوسياسي، سيدرك أنه حلف موجه ضد طهران؛ فهي تقع جغرافيا وسط هذا الثلاثي، بغض النظر عن إمكانات هذا الحلف على تحقيق أهدافه دون أن يقع في الفخ. فما هي قصة هذه العصيدة السياسية؟!
لنترك تحليل سيناريوهات هذا الحدث، ونترك فرصة لما سيجود به مكر التاريخ، وإن كانت المؤشرات المحفوفة تؤكد على أننا أمام موقف غير بريئ، وأمام منحدر إقليمي لا يبشر بخير. وحيث لا شيء انتهى، فإن الآثار التكوينية للاختيارات الخاطئة لا زالت ترخي بظلالها على الأوضاع في المنطقة، ولكن لا بد من التذكير لمعرفة العقل السياسي العربي.
*انحطاط العقل السياسي العربي المعاصر*
ثمة أزمة وفاء، إذ لا بد من تقرير هذه الحقيقة، فالخذلان هو أصل المأساة في العقل العملي العربي؛ خذلان المبدأ، خذلان الحقيقة، خذلان التاريخ…لم يعد يستقيم هذا الاجتماع السياسي إلا على الزيف وبالزيف وفي الزيف. وستذكر الأجيال، بأن العقل السياسي العربي اشتغل ضد اجتماعه السياسي، ضد كل الفرص التاريخية للخروج من عنق الزجاجة.
لا مناص من استحضار كل مقدمات الانهيار العربي،فالأساليب المتبعة اليوم في قلب المجن على الأحداث، لن تنفع في استبصار الحقيقة.
لقد ترك العرب فلسطين في منتصف الطريق، ولم يبادروا بأي قرار لإيقاف حرب الإبادة في غزة. وحتى الآن لا يوجد سوى موقف قوى الإسناد، موقف غير قابل للنظر، لأنه بات بديهيا، فالمحور ضحى بأغلى ما لديه على طريق القدس، وهذا ما أسقط مسلسل الدعاية ضد المحور، وأبرز ضعف العرب ونهاية عهد التضامن العربي.
ولم يقف العرب مع لبنان، الذي تعرض لحرب إبادة انتهت بنزوح ساكنة الجنوب أمام أنظار العالم. وفي كل مرة يلوذ العرب بمغالطة اختزال العدوان في جعله مجرد رد فعل وليس مخططا قديما للاحتلال.
ولا زال التهديد يطال العراق، وقد يكون الحلف الثلاثي محاولة لخلق توازن مع المحور وليس مع الاحتلال. إنهم جاهزون لتبرير هزيمتهم إلى الأبد.
دخلت دول الخليج إلى مرحلة من فوبيا الجغرافيا السياسية. وهي تخوض حروبا ليس لها فيها ناقة ولا جمل. وما لم يتم فتح حوار بين طهران مع جوارها في الخليج، ستبقى المنطقة مفتوحة على الفوضى، بل حتى حرب اليمن مقدور عليها بحل سياسي شجاع متحرر من خلفيات وأوهام مزمنة، كما أن حوارا متكاملا بين دول الإقليم جدير بها حل كل المشكلات العالقة، هذا كله رهين بالإرادة السياسية، ولا شيء غير الإرادة السياسية!
*وحتى لا ننسى سوريا*
ويبقى موضوع سوريا أعقد بكثير، لأن المسألة السورية قابلة لأن تتحول إلى بؤرة لتفجير المنطقة. لكن يبدو أنها قضية تعاني من الجمود، لأنها عمليا قضية مختطفة. لقد لعبت الدعاية دورا قذرا لا يمكن تجاوزه بطقة حنك. سيترحمون على عهد الممانعة السورية التي سخرت منها الجماعات الوظيفية بالتحامل نفسه الموجه اليوم ضد محور المقاومة. وجب تأكيد السؤال حتى آخر رمق: أين اختفت تلك الشعارات التشنيعية الملعونة التي كانت تخفي غابة من التآمر على بلد آمن؟ من نصب الحكومة؟ ما هي هذه المدرسة الغرائبية في العدالة الانتقالية؟ من منح الحق في الثأر باسم العدالة، ماذا عن آلاف الانتهاكات، اين هي منظومة التعليم السورية، ولا أسأل عن منظومة الصحة، حيث أكبر المستشفيات التي كانت تعالج أفتك الأمراض في نطاق قانون التغطية الصحية والعدالة الصحية هي اليوم تحولت إلى مستشفيات مخوصصة لصالح الغزاة؟ أين الشمال، أين الجنوب، وأين الوسط؟ ملعون من يتحدث عن الاحتلال ويغمض عينيه عن حقائق بلوغ الاحتلال إلى قلب دمشق؟ ما هي القيمة الفنية لهذه المسرحية المستهترة بالذائقة العربية؟
سقطت سوريا لأنها تعرضت لمؤامرة استهدفت مكتسبات بلد استطاع أن يصمد في وجه العقوبات والإرهاب والاحتلال. ومع ذلك تستمر الأكذوبة باسم شعب اختفى فجأة من المشهد، شعب تواطأ عليه خصوم سوريا وخصوم ممانعتها.
لقد أصبح التجديف ضد الأسد وتحميله مسؤولية هذا الانهيار، حرفة يفضحها الواقع المرير لشعب مختطف، الأسد هو من قاوم أكثر من 13 عاما ضد الغزاة وأذرعهم، كانت ربطة الخبز السورية هي الأرخص في العالم، وكانت الشام منيعة. لكن في ذاكرة الانهيارات العربية سيكون له ميزة عدم الاستسلام والتوقيع، إذ رفض التسوية الخادعة مع أعداء سوريا. ولم يكن انهيار سوريا حدثا تلقائيا، فلقد تم ضرب محور بكامله، فمن سخر من سقوط الأسد عليه أن لا يظهر تعاطفا مع المحور بكامله. هذا الكلام لن يعجب من مازالوا يوهمون أنفسهم والرأي العام بأنهم انتصروا.
إن توقع مثل هذا “التكويع” عند أي ضربة تستهدف باقي قوى المحور، سيكون واردا. فاليوم
تقاتل طهران وحدها العدوان الإمبريالي، بقدراتها العسكرية وحنكتها السياسية وصمود شعبها وإرادة قيادتها؛ لقد استطاعت أن توقف الاحتلال وحليفته الكبرى على رجل ونصف بالفعل، وبذلك فرضت حقيقتها التاريخية كدولة مكافحة ضد الهيمنة وضد الاحتلال، بل لقد ألقمت حجرا كسر أنياب نباحة الهزيمة الذين حتى قبيل أم المعارك كانوا يمضغون وبوقاحة عبارة أنها مسرحية. سقط التشنيع وفرضت إيران على المنافقين أن يبتلعوا ألسنتهم، بل ربما فرضت عليهم ضربا من التكويع من دون اعتذار.
مسلسل “السعدنة” السياسية مستمر، و”المكوعون” في ذروة النشاط، ومركب ستوكهولم يجتاح المتذاكين بلا واسطة في الثبوت، الوفاء ناذر كالكبريت الأحمر.
المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي احتمالات لا تأخذ رأيا من أحد، ووحده محور الصمود يملك إتمام اللعبة حتى الآن، ففي إقليم مخبول وجغرافيا حمقاء، يكون من خراب العقل تجريب المجرب.