عاجل:
هندسة الاستنزاف: كيف تُساق الرياض إلى الفخ من الوديعة إلى البحر الأحمر؟
حدث وتحليل 2026-08-08 13:08 355 0

هندسة الاستنزاف: كيف تُساق الرياض إلى الفخ من الوديعة إلى البحر الأحمر؟

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بمدى القذيفة أو دقة الصاروخ فحسب، بل بالقدرة على التحكم بوعي الخصم وإدارة إدراكه، وإجباره على اتخاذ القرارات التي تؤدي في النهاية إلى استنزافه الذاتي.

في الشرق الأوسط، هذه البيئة الغنية بالنفط والفقيرة بالاستقرار، أصبحت الساحة مهيأة تماماً لهندسة صراعات إقليمية بين الجيران، لا ينتج عنها رابح محلي، بل تصب نتائجها الجيوسياسية مباشرة في صالح القوى الاستعمارية التقليدية والقوى التوسعية، وفي مقدمتها إسرائيل.

في السادس من أغسطس 2026، اهتزت معادلة الردع السعودي مجدداً، فبينما كانت الرياض تحاول لملمة أوراقها الدبلوماسية وتأمين ممراتها البحرية، جاءت الضربة من العمق اليمني.

أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن عملية عسكرية استباقية واسعة النطاق، استهدفت تحشيدات عسكرية سعودية في معسكرات الرويك والعبر والثنية والوديعة شرقي اليمن، ورغم غياب التأكيد المستقل لهذه العملية من الأطراف الدولية، إلا أن الرسالة السياسية والعسكرية سُلمت بنجاح:

“لم نعد ننتظر رصاصتكم الأولى، وقدرتكم على المناورة البرية باتت مكشوفة ومهددة في عقر دارها”.

 

الوديعة والبحر الأحمر: كماشة البر والبحر

الرسالة القادمة من الوديعة لم تكن يمنية محلية فحسب، بل كانت حلقة في سلسلة أطول من الضغوط المركبة.

فقبل أيام من هذا الإعلان، وتحديداً في الثامن والعشرين من يوليو 2026، تعرضت ناقلة النفط السعودية NCC GHAZAL لهجوم صاروخي مباشر في البحر الأحمر.

هذا التزامن الميداني بين حصار الممرات البحرية واستهداف المعسكرات البرية يضع صانع القرار في الرياض أمام حقيقة قاسية:

(لم تعد المملكة تملك سيطرة مطلقة على فضاءاتها الحيوية، وأي تصعيد إقليمي قادم لن يدفع ثمنه بالوكالة، بل سيضرب شرايينها الاقتصادية والأمنية مباشرة).

تكمن معضلة القيادة السعودية هنا في ضيق خياراتها؛ فالرد العسكري التقليدي الواسع يعني الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد ومكلفة، بينما الصمت أو الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية يكرّس معادلة العجز ويهز هيبة الردع.

هذه هي بالضبط “آلية التوريط” التي تُدار بها الأزمات المعاصرة:

(وضع الخصم في زاوية حرجة يخسر فيها مهما كان خياره).

 

العراق والتحكم الانعكاسي: التوريط بالرواية

لا يتوقف الأمر عند حدود الصاروخ الموجه نحو بارجة أو معسكر، بل يتعداه إلى الحرب المعرفية وحرب المعلومات (Information Warfare).

وما جرى في العراق مؤخراً يمثل نموذجاً صارخاً لـ “التحكم الانعكاسي” (Reflexive Control)، حيث يُدفع الطرف المستهدف لاتخاذ قرارات تضر بمصالحه بناءً على معلومات يتم تسريبها وتوجيهها بعناية.

بين الرواية التي تتحدث عن تنسيق سعودي رسمي مع واشنطن في توجيه ضربات لعمق العراق، وبين الرسائل الدبلوماسية المسرّبة التي حاولت الرياض من خلالها نفي علاقتها بالهجمات لطهران، يبرز مأزق “الرواية السياسية”.

في هذه البيئة الرمادية، لم يعد مهماً من ضغط على الزناد؛ بل المهم هو خلق انطباع بأن السعودية شريك مباشر في التصعيد الأمريكي ضد الفصائل العراقية المرتبطة بإيران، وهو ما ينسف جهود التقارب الإقليمي ويُقحم الرياض في مواجهة مفتوحة لا تريدها.

 

المستفيد الأكبر: الجغرافيا التي تُصاغ بالفوضى

إذا كان الصراع يبدو في ظاهره مواجهة بين الرياض وصنعاء، أو توتراً بين السعودية وفصائل العراق، فإن القراءة الجيوسياسية العميقة تحتم طرح السؤال الأهم:

(من المستفيد من بقاء هذه المنطقة النفطية الغنية في حالة اشتعال دائم؟)

التاريخ القريب والبعيد يثبت أن صراع الجيران هو المادة المغذية لتمدد القوى الاستعمارية وسيطرتها على مقدرات المنطقة وثرواتها.

وفي هذا المشهد الإقليمي المفكك، تقف إسرائيل كمستفيد رئيسي وموضوعي من هذا النمط من الاستنزاف.

فكلما انشغلت العواصم الإقليمية الكبرى بصراعات بينية أو حروب استنزاف استخباراتية وعسكرية، وكلما تآكلت الثقة المتبادلة بين الرياض وطهران وبغداد وصنعاء، تحسّن الموقع الاستراتيجي لتل أبيب على كافة الأصعدة:

  • عسكرياً واستخباراتياً: تراجع القدرات القتالية والتسليحية للدول المحيطة بها في معارك جانبية.
  • سياسياً ودبلوماسياً: تفكك أي جبهة إقليمية موحدة يمكن أن تقف في وجه مشاريع التوسع الصهيوني، وانتقال أولويات العواصم العربية من التنمية وحماية السيادة إلى إدارة الأزمات الأمنية اليومية.

هذا التحليل لا يتطلب الإيمان بنظرية المؤامرة المطلقة، بل يتطلب فقط قراءة النتائج على الأرض.

فالأطماع التوسعية التي يعبّر عنها قادة اليمين الإسرائيلي علناً، والخطط التاريخية مثل “خطة ينون” التي دعت لتفتيت المحيط العربي، تجد في هذا الصراع الإقليمي المتواصل بيئة خصبة للتحقق التلقائي دون كلفة تُذكر على إسرائيل.

 

الردع بالإدراك

إن ما تواجهه السعودية اليوم ليس مجرد تهديد أمني محصور في مضيق باب المندب أو صحراء الوديعة، بل هو استهداف لهيبتها السياسية وموقعها الإقليمي عبر حرب سرديات معقدة.

وعندما تصبح الشائعة قادرة على تحريك الأساطيل، ويصبح النفي عاجزاً عن ترميم الشروخ الدبلوماسية، يتأكد لنا أن الحرب المعاصرة قد تغيرت أدواتها.

الخلاصة هي أن الصاروخ قد يضرب جداراً، لكن الرواية المصممة بعناية قادرة على هدم استراتيجيات دول بأكملها من الداخل.

وفي هذا الشرق الأوسط المستنزف، لا يُكتب التاريخ بمن يملك الصاروخ الأكبر، بل بمن يملك القدرة على صياغة الرواية التي تبرر إطلاق النار، وبمن يجلس بعيداً يراقب جيرانه وهم يحرقون أرضهم بأيديهم.

آخر الاخبار