المقدمة: جثة لندن والوهم المتبدد
لم تكن جثة الأمير عبد الله بن فهد بن عبد الله بن جلوي آل سعود، التي عُثر عليها غارقة في مزيج من مخدر “GHB” والكحول والمنومات داخل جناح فندقي فاخر بلندن، مجرد حادثة إدمان عابرة؛ بل كانت فضيحة سياسية تعري ازدواجية هذا النظام وتكشف عورته.
ففي الوقت الذي يُساق فيه الفقراء والمهاجرون في الرياض إلى ساحات الإعدام بتهم حيازة غرامات ضئيلة من المخدرات، تحشد السفارة السعودية إمكانياتها للتغطية على إدمان أمرائها وسلوكياتهم المنحرفة في الخارج، وتأمين علاجهم السري في مصحات “بريوري” البريطانية العريقة.
هذه الفجوة الصارخة ليست طارئة، وليست وليدة اليوم، إنها تفضح حقيقة بنيوية لطالما حاول الإعلام الرسمي حجبها: وهي أن الجريمة، والفساد، والترفع عن القانون ليست سلوكيات مستجدة فرضها صعود ولي العهد الحالي، بل هي عقيدة راسخة في جينات هذه العائلة منذ لحظة تأسيسها الأولى.
الفصل الأول: التأسيس بالدم واستباحة الأرض
تُروج المناهج التعليمية والآلة الدعائية للنظام لرواية مضللة عن “توحيد المملكة” بوصفه عملاً بطولياً وفتحاً مبيناً، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة تشير إلى أن قيام الدولة السعودية لم يكن بناءً لمؤسسات أو إرساءً لعدالة، بل كان “مشروع إبادة وسيطرة” قام على إخضاع القبائل وتصفية الخصوم واستباحة القرى بالحديد والنار.
لقد تأسس الكيان على منطق الغنيمة؛ حيث الأرض وما عليها ملك لعائلة واحدة، والشعب مجرد رعايا لا حقوق لهم.
هذا “العنف التأسيسي” هو الذي شرعن لاحقاً لكل أمير أن يرى نفسه فوق البشر، وفوق المساءلة، طالما أنه ينتمي للنسب المقدس.
الفصل الثاني: سجل الجريمة العابر للقارات
لكي نفهم عمق الأزمة، يكفي أن ننظر إلى السجل الجنائي لآل سعود في الخارج، حيث تفشل أموال النفط أحياناً في شراء صمت المحاكم الغربية بالكامل.
هذا السجل يثبت أن سلوك العصابة عابر للأجيال:
الفصل الثالث: وهم “الزمن الجميل” وخديعة العهود السابقة
يقع بعض المحللين والمعارضين في فخ المقارنة وتجميل الماضي، مروجين لفرصية أن عهود الملوك السابقين كخالد وفهد وعبد الله كانت تتسم بالتعقل والحكمة، وأن “الانحراف الحقيقي” بدأ فقط مع صعود محمد بن سلمان.
هذا الطرح ليس جاهلاً بالتاريخ فحسب، بل هو تبرئة غير مباشرة لجيل كامل من الطغاة.
إن القمع السياسي، وتكميم الأفواه، وسرقة المال العام، وتهريب الأموال إلى الحسابات السويسرية، وجرائم الأمراء في لندن وباريس، كلها كانت تحدث بالوتيرة نفسها وبغطاء مباشر من الملوك السابقين.
لم يبتكر محمد بن سلمان نهجاً جديداً، بل كل ما فعله هو إزالة الغلاف الدبلوماسي الناعم وجعل الجريمة تُرتكب بفظاظة وعلانية ودون خجل، الفارق بين العهد الحالي والعهود السابقة هو فارق في الأسلوب والدرجة، وليس في الجوهر والنية.
الفصل الرابع: وطأة الطبقية القانونية
تتجلى الجريمة المنظمة للنظام في تطبيق سياسة الكيل بمكيالين بشكل فاضح:
|
وجه المقارنة |
الأمير الحاكم |
المواطن والوافد |
|
تعاطي وحيازة المخدرات |
حماية دبلوماسية، طائرات خاصة، ومصحات فاخرة في لندن. |
الإعدام بقطع الرأس في الساحات العامة لغرامات محدودة. |
|
الاعتداء والقتل |
تسويات سياسية، تهريب من القضاء الدولي، ودعاوى مدنية مغلقة. |
القصاص الفوري، أو السجن لعقود دون تمثيل قانوني حقيقي. |
|
التعبير عن الرأي |
تفويض مطلق لقول وتدمير ما يشاء دون حسيب. |
السجن لعقود أو الإعدام بسبب تغريدة أو رأي معارض. |
هذه المقارنة تثبت أننا لسنا أمام دولة قانون تقع فيها أخطاء فردية، بل نحن أمام منظومة مصممة خصيصاً لحماية الجاني إذا كان أميراً، وسحق الضحية إذا كان مواطناً بسيطاً.
الفصل الخامس: هيكلية العنف والانهيار الأخلاقي
لماذا ينتج هذا النظام أمراء مدمنين، وقتلة، ومعتدين؟
السبب يعود إلى تركيبة التنشئة داخل العائلة الحاكمة نفسها.
عندما ينشأ الطفل على أنه مالك للبلد والعباد، وعندما يتعلم أن القانون أداة لقمع الآخرين وليس لضبط سلوكه، فإنه يفقد اتصاله بالواقع والمنطق الإنساني.
تتحول الثروة الهائلة والسلطة المطلقة إلى لعنة نفسية تقود هؤلاء الأمراء إلى الانفصال التام عن المجتمع، والبحث عن اللذات المحرمة، والهروب من ضغوط صراعات الأجنحة والتستر العائلي عبر العنف والإدمان في عواصم الغرب.
إنهم نتاج طبيعي لبيئة فاسدة لا تعترف بالحدود والأخلاق.
الخاتمة: إسقاط البنية لا تبديل الوجوه
إن محاولة حصر مشكلة الحكم في السعودية بشخص محمد بن سلمان هي تشخيص قاصر يخدم استمرار المنظومة ذاتها.
فالملك القادم أو ولي العهد البديل لن يغير من واقع الأمر شيئاً طالما أن البنية التحتية للسلطة قائمة على احتكار الثروة، وتأليه الحاكم، وإفلات العائلة من العقاب.
الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بتبديل جلاد بجلاد آخر، ولا بانتظار “إصلاحات” تجميلية يمنحها الطاغية لرعاياه.
الحل الجذري يبدأ بتفكيك فكرة “العائلة المالكة للوطن” من أساسها، وإعادة السلطة للشعب، وإرساء قضاء مستقل يُحاكم فيه الأمير قبل الفقير.
الجريمة لم تبدأ مع محمد بن سلمان، ولن تنتهي برحيله؛ الجريمة متأصلة في النظام نفسه، ولا سبيل للعدالة إلا بهدم هذا الاحتكار وبناء دولة المؤسسات والقانون.