عاجل:
اتفاق واشنطن طهران... هل انتصرت طهران أم تراجعت دول الخليج؟
الاخبار 2026-06-20 09:23 616 0

اتفاق واشنطن طهران... هل انتصرت طهران أم تراجعت دول الخليج؟

في السياسة لا تُقاس الانتصارات دائماً بما يُقال في البيانات الرسمية، بل بما يتغير في الواقع. ومن هذه الزاوية،

قد يكون الاتفاق الأخير واحداً من أهم التحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة منذ عقود، لأنه لا يعكس فقط تهدئة مؤقتة، بل يكشف عن حقيقة أكبر: نهاية مشروع إقليمي كامل قام على فكرة احتواء إيران وتقليص نفوذها.

 

لسنوات طويلة، قيل لشعوب المنطقة إن النفوذ الإيراني يمثل الخطر الأكبر على الأمن العربي، وإن مواجهته أولوية استراتيجية لا تحتمل التهاون. أُنفقت مليارات الدولارات، وشُكلت التحالفات، واشتعلت الأزمات، وارتفعت سقوف الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة.

 

لكن ماذا كانت النتيجة النهائية؟

 

إيران ما زالت موجودة. نفوذها ما زال حاضراً. حضورها السياسي والعسكري لم يختفِ. والأهم من ذلك أن القوى الإقليمية والدولية باتت تتعامل معها باعتبارها رقماً ثابتاً في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.

 

إذاً، ماذا تحقق من مشروع الاحتواء؟

 

هذا السؤال هو أكثر ما يزعج المدافعين عن المرحلة السابقة.

 

فالواقع يقول إن المنطقة انتقلت من محاولة إقصاء إيران إلى التفاوض معها، ومن سياسة المواجهة إلى سياسة التعايش، ومن خطاب تغيير سلوكها إلى خطاب إدارة الخلاف معها. وهذا ليس تفصيلاً سياسياً صغيراً، بل انقلاب كامل في الفلسفة التي حكمت السياسات الإقليمية طوال سنوات.

 

قد يقول البعض إن هذا التحول يعكس نضجاً سياسياً وواقعية جديدة. لكن الواقعية نفسها تفرض تسمية الأشياء بأسمائها. فعندما تبدأ معركة بهدف تقليص نفوذ خصمك وتنتهي بالاعتراف به شريكاً لا يمكن تجاوزه، فمن الصعب وصف ذلك بأنه نجاح كامل.

 

في الحقيقة، ما نشهده اليوم أقرب إلى اعتراف متأخر بحقائق كانت واضحة منذ البداية: إيران ليست دولة هامشية يمكن عزلها أو تجاهلها، بل قوة إقليمية تمتلك من عناصر التأثير ما يجعل استبعادها من ترتيبات المنطقة أمراً شبه مستحيل.

 

لهذا السبب، فإن الاتفاق لا يكرّس قوة إيران فقط، بل يكرّس فشل الرهان على إضعافها.

 

وهنا تظهر المفارقة التاريخية.

 

الدول التي رفعت لعقود شعار مواجهة النفوذ الإيراني أصبحت اليوم تبحث عن التفاهم معها. والدول التي تحدثت عن ضرورة تغيير سلوك طهران أصبحت أكثر اهتماماً بتجنب الصدام معها. أما المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تُبنى في الخليج، فقد دفعت صناع القرار إلى إعطاء الاستقرار أولوية تتقدم على الصراع، خاصة بعد فشل الحرب في تحقيق اهدافها.

 

لا يمكن لوم هذه الدول على البحث عن مصالحها. فالتنمية أكثر أهمية من الحروب، والاستثمار أكثر فائدة من الأزمات. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يقتضي أيضاً الاعتراف بحقيقة أخرى: المنطقة لم تصل إلى هذه المرحلة بعد انتصار مشروع المواجهة، بل بعد التخلي عنه، بعد فشله.

 

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران قد انتصرت. فمفهوم الانتصار في السياسة معقد ومتعدد الأوجه. السؤال الأهم هو: من الذي غيّر أهدافه؟ من الذي تخلى وتنازل عن مشروعه؟

 

إيران ما زالت تتحدث عن مشروعها ودورها الإقليمي ومصالحها الاستراتيجية. أما الخطاب الخليجي فقد انتقل من إعادة تشكيل التوازنات إلى التكيف معها. ومن يسعى إلى التكيف مع الواقع، بعد سنوات من محاولة تغييره، يكون قد قدّم التنازل الأكبر مهما كانت المبررات.

 

ربما يكون هذا التنازل ضرورياً. وربما يكون الطريق الوحيد نحو الاستقرار. لكن ذلك لا يغير حقيقة أساسية: الاتفاق الحالي لا يمثل انتصاراً للنهج الذي حكم المنطقة خلال العقدين الماضيين، بل يمثل إعلاناً هادئاً عن نهايته، إذا لم نقل هزيمته.

 

آخر الاخبار