بالتوازي مع زيادة الشحنات المضبوطة عبر منفذ الحديثة على الحدود السورية، عن الأبعاد الحقيقية لملف المخدرات في المملكة. هذا الملف يتجاوز مجرد فكرة “التنسيق الدبلوماسي”، ليسلط الضوء على سوق استهلاكية ضخمة داخل الرياض، يحركها طلب واسع النطاق ترتبط فيه شبكات التهريب الدولية بمراكز قوى ونافذين داخل المجتمع السعودي.
وجاء الإعلان الاستعراضي للمتحدث الأمني السعودي، طلال بن شلهوب، عن تقديم معلومات استباقية للأجهزة اللبنانية، ليعيد إلى الأذهان التاريخ الطويل لتورط أمراء من آل سعود في قضايا تهريب المخدرات الدولية، والذين لطالما استغلوا حصاناتهم وطائراتهم الخاصة لنقل شحنات “الكبتاغون”، على غرار قضية “الأمير” عبد المحسن بن وليد آل سعود الذي ضبط سابقا في مطار بيروت وعلى متن طائرته طنان من الحبوب المخدرة. هذا الواقع يؤكد أن الشبكات الإجرامية العابرة للحدود تجد دائما ركائز قوية ومستهلكين ذوي نفوذ مالي وسياسي يسهلون تدفق هذه المواد إلى العمق السعودي.
وفي هذا السياق، تفضح البيانات السعودية الرسمية الصادرة بشأن منفذ الحديثة لعام 2026 زيف الرواية التي كانت تختزل الأزمة في خلاف سياسي مع نظام بشار الأسد في سوريا، فبالرغم من تبدل سلطة الحكم في دمشق وتولي سلطة احمد الشرع الجولاني السيطرة على مفاصل الصادرات والواردات والمال العام منذ ديسمبر 2024، إلا أن تدفق الشحنات المخبأة داخل البضائع المرخصة شهد تصاعدا وازديادا مضطردا عبر وتيرة ضبطيات متلاحقة ومتقاربة حيث سجلت السلطات السعودية ضبط 270 ألف حبة في 30 يناير، و154 ألف حبة في 24 أبريل، و426 ألف حبة في 15 مايو، وصولا إلى 45 ألف حبة في 12 يونيو 2026.
هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن تجارة المخدرات في السعودية ليست نتاج توجيه سياسي من دول التصدير، بل هي تجارة يحركها قانون العرض والطلب في سوق سعودية داخلية ومحمية من مراكز قوى ونافذين.
وتُظهر المقارنة مع البيانات السابقة حيث كانت إعلانات الضبط لا تتجاوز إعلانا واحدا كل نحو أربعة أشهر أن وتيرة الإعلانات الرسمية السعودية تُضخّم وتُكثّف بقرارات سياسية تهدف لابتزاز القوى الإقليمية، بينما تظل الحقيقة الثابتة أن عواصم الجوار ليست سوى ممرات تصدير تلبي حاجة أسواق مغلقة ومحمية في الداخل السعودي.