عاجل:
سلاح بلا جيش..ومفارقة صناعة النفوذ السعودي
حدث وتحليل 2026-10-10 10:10 819 0

سلاح بلا جيش..ومفارقة صناعة النفوذ السعودي

وإذا كان الجيش قد بُنيّ ليكون عاجزا عن الفعل الذاتي، فإن صناعة النفوذ السعودي قد استعاضت عن الوزن العسكري، ليس فقط بالقدرة المالية بل بفلسفة الشراء، شراء الدعم الغربي عبر صفقات سلاح أقرب ما تكون بوصفها رشاوى تضخ ديناميات في الاقتصادات الغربية وتشتري صمت هذه الدول عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يتورط فيها النظام السعودي، فبريطانيا وحدها أصدرت تراخيص بيع أسلحة للسعودية بقيمة 8 مليارات جنيه إسترليني منذ 2015، وفرنسا باعت أسلحة بقيمة 626 مليون يورو. وهكذا يتحوّل السلاح إلى عملة سياسية، والصفقة إلى صكّ حصانة.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

            بقلم عبد الرحمن الهاشمي

 

منذ أن صار محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة، تكشّفت استراتيجية سعودية تُبنى على مفارقةٍ بنيوية؛ دولة تُنفق على السلاح أكثر مما يُنفق أيّ لاعب إقليمي، لكنها تُصمّم جيشها كما لو أنه قوات أمنية، وتشتري النفوذ لكي لا تحتاج إلى القوة. هذه الاستراتيجية ليست عبثا، بل هندسة سياسية دقيقة لحماية النظام من الداخل، وتعويض ضعفه العسكري في الخارج عبر وكلاء وأذرع ومظلات واتفاقات أمنية.

لكن هذه الهندسة لا تُفهم إلا إذا نظرنا إليها كمنظومة واحدة، لا كعناصر متفرقة. فالإنفاق العسكري الفلكي ليس هدفا في ذاته، بل هو المدخل الذي يفسّر لماذا تُترك القوات البرية في الجيش ضعيفة بينما يُمنح سلاح الجو احدث الطائرات. المنطق السياسي هنا صارخ، سلاح الجو قادر على قصف العدو - إن وُجد - كما مع الحوثيين في اليمن، لكنه غير قادر على الانقلاب على القصر. أما القوات البرية في الجيش، لو مُنحت القوة، فستصبح كابوسا وتهديدا للنظام السعودي. وهكذا يتحوّل الجيش من مؤسسة قوة بعقيدة قتالية إلى قوة دفاعية وظيفية، مهمتها الوحيدة حماية النظام من المخاطر التي قد تهدده. فالإنفاق السعودي الذي يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى أن الرياض تُعدّ ثاني أكبر مستورد للأسلحة عالميا بنسبة 8.4% من الواردات العالمية بين 2019 و2023، لكن هذا الإنفاق موجّه بشكل صارخ نحو القوات الجوية وللدفاع الجوي، لا نحو جيش البر بشكل متوازٍ.

وإذا كان الجيش قد بُنيّ ليكون عاجزا عن الفعل الذاتي، فإن صناعة النفوذ السعودي قد استعاضت عن الوزن العسكري، ليس فقط بالقدرة المالية بل بفلسفة الشراء، شراء الدعم الغربي عبر صفقات سلاح أقرب ما تكون بوصفها رشاوى تضخ ديناميات في الاقتصادات الغربية وتشتري صمت هذه الدول عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يتورط فيها النظام السعودي، فبريطانيا وحدها أصدرت تراخيص بيع أسلحة للسعودية بقيمة 8 مليارات جنيه إسترليني منذ 2015، وفرنسا باعت أسلحة بقيمة 626 مليون يورو. وهكذا يتحوّل السلاح إلى عملة سياسية، والصفقة إلى صكّ حصانة.

هذا هو النفوذ المُشترى، أن تُصبح "السعودية" أكبر مشترٍ يعني أن لا أحد يستطيع محاسبتها. لكن هذا الشراء وحده لا يكفي إذا لم يكن مسنودا بشرعية رمزية، وهنا يتم الاستثمار في المكانة الدينية التي لازالت تتوهم الرياض أنها تمنحها شرعية رمزية في العالم الإسلامي، وقد وُظّفت لعقود عبر نشر العقيدة الوهابية لبناء نفوذ عابر للحدود. لكن هذه العقيدة، التي كانت في الماضي رصيدا استراتيجيا للدولة السعودية، أصبحت في عهد محمد بن سلمان عبئا على رؤية 2030. ابن سلمان الذي يقدم "السعودية" بوجه حداثي وعلى صورة إطار تعكس إسلاما معتدلا. وإن كانت المؤسسة الدينية لازالت تضطلع بأدوار كبرى عبر التبرير والتكييف وإخراج كل سياسات النظام السعودي ضمن قوالب شرعية ودينية.

لعقود، ارتكزت الاستراتيجية السعودية على مظلة أمريكية. صفقة الـ110 مليارات دولار وصفقة الـ142 مليار دولار كانت في جوهرها رسوم عضوية في النظام الأمني الأمريكي. لكن بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تكشّفت هشاشة هذه المظلة، فواشنطن -قبل ذلك - لم تستطع حماية المنشآت النفطية السعودية من هجمات 2019، بل هي تبدت عاجزة حتى عن حماية قواعدها في المنطقة، ولم تعد ضامنا مطلقا. وهذا ما دفع الرياض إلى البحث عن بدائل كما تجلّى ذلك في  حلف مكة مع حليفي أمريكا كبيرين: تركيا وباكستان.

مع احتداد المواجهة مع حركة أنصار الله وتبلور معادلة "الحصار مقابل الحصار"، تبدى أن هذا الحلف غير فعّال كما أراده محمد بن سلمان، فصاحب القرار السياسي في كل من تركيا وباكستان يجد نفسه أمام حرج أخلاقي وضغط شعبي في موضوع اليمن خاصة وجرح غزة المخذولة من معظم الدول الإسلامية والمتروكة لمصيرها لايزال ينزف يوميا.

وهنا كانت الإنعطافة الكبرى نحو (اسرائيل)، عبر طفرة نوعية في العلاقة المتشابكة والوظيقية التي تجمع الرياض وتل أبيب، خاصة وأن حركة أنصار الله جعلت من اليمن طرفا أساسيا في محور المقاومة الذي يخوض معركة وجود مع الكيان الصهيوني. ولذلك فليس من المبالغة القول أن ضباط صهاينة كبار يشاركون في غرفة عمليات الحرب بالرياض ضد اليمن. وكل الحديث عن عدم استجابة ترامب للإستغاثة السعودية وإبتزاز هذه الأخيرة في موضوع التطبيع العلني الذي تتفاداه "السعودية" لتداعياته الخطيرة على ما تسميه مكانتها في العالم الإسلامي، ليس إلا تضليلا، فالعلاقة بين الطرفين وجودية ومصيرية وهما في نفس الخندق في مواجهة جبهة المقاومة.

السؤال الذي يطرحه كل متابع للحرب على اليمن، أين هو الجيش السعودي؟ وأين هو كل ذلك السلاح الذي راكمته الصفقات الفلكية الخيالية؟

والجواب الذي تكشّف عمليا، أن لا جيش سعودي في الميدان. هناك أذرع يمنية تُقاتل بالوكالة، وسلاح جو يقصف المدنيين ويراكم سجلا أسودا في جرائم الحرب ويدمر المنشآت الخدمية. أمريكا و(اسرائيل) ومعهما بريطانيا وفرنسا واوكرانيا قدّموا دعما لوجستيا واستخباراتيا فضلا عن مشاركة إسرائيلية في القصف، باكستان أرسلت قوات رمزية، وتركيا باعت طائرات مسيرة. لكن هذا الحلف الدولي لم يحقق شيئا. الحوثيون، الذين وُصفوا ب"جيش الخفافيش"، صمدوا، بل وسّعوا سيطرتهم على باب المندب، ودحروا القوات المدعومة سعوديا في محافظة تعز وغيرها. وأما "السعودية" التي أنفقت تريليون دولار على السلاح فقد وجدت نفسها عاجزة أمام مقاتلين بقدرات بسيطة لكن بعقيدة قتالية وإرادة سياسية. وهكذا نجدنا أمام مفارقة صارخة، جيش سعودي عاجز برغم تجهيزه المتطور، وحرب تُدار بالوكالة وعبر المرتزقة والإرهابيين الذين يتم جلبهم من كل مكان، ومظلة دولية تحمي النظام لكنها لا تجلب له إنتصارات. فكان لا بد من "فزعة" إعلامية كبرى تُشترى بملايين الدولارات تسبق الميدان وتصنع فجرا كاذبا اسمه عملية "فجر اليمن" باعتباره نصرا مؤزّرا!

المفارقة السعودية ليست في التناقض بين الإنفاق الجنوني والعجز العسكري، بل في أن النظام اختار عن قصد أن يكون جيشه ضعيفا، ونفوذه مشترى، ومظلته مستوردة. هذه الاستراتيجية تحمي النظام من الداخل، لكنها تجعله هشا مهزوزا في الخارج. ف"السعودية" تستطيع أن تشتري الطائرات والصواريخ والولاءات والأحلاف، لكنها لا تستطيع أن تشتري الجيش الذي يقاتل. وفي اليمن؛ ومع هذه الحرب العدوانية الظالمة؛ تكشّف أن الجيش الوظيفي لا يصنع انتصارات، بل يصنع جرائم حرب، ويرفع الكلفة والحساب على نظامه الذي سيدفعه حتما وقد بدأ فعلا في دفع الحساب من خلال تدمير بنيته النفطية.

آخر الاخبار