فالاجتماع الذي عُقد في مدينة بيليم البرازيلية على مشارف غابات الأمازون، جاء في لحظة حرجة يتزايد فيها الضغط العلمي والسياسي للتحرك السريع من أجل الحد من الاحترار العالمي عند سقف 1.5 درجة مئوية. ومع ذلك، تكشف ورقة صادرة عن منظمة أميؤكيون من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان في البحرين أن المؤتمر تحوّل إلى ساحة صراع بين منطق التنفيذ الحقيقي، ومنطق حماية مصالح الدول المنتجة للوقود الأحفوري، وعلى رأسها "السعودية".
تبدأ الورقة بتوضيح السياق العام لمسار مؤتمرات المناخ، حيث راكمت القمم السابقة تعهدات كبيرة، بدءاً من اتفاق باريس في COP21، مروراً باعتراف COP28 بضرورة التخلص التدريجي من النفط والغاز والفحم، وصولاً إلى COP29 الذي ركز على التمويل المناخي. غير أن هذه التعهدات، وفق النص، بقيت في إطار الخطاب أكثر من كونها سياسات تنفيذية، ما خلق فجوة متزايدة بين الالتزامات السياسية والواقع الفعلي للانبعاثات.
في هذا السياق، جاء COP30 بوصفه "مؤتمر التنفيذ". التوقعات كانت مرتفعة: تحويل الوعود إلى خطط زمنية، وضع خارطة طريق للانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري، وربط التمويل بالتكيّف والتخفيف بشكل واضح. كما كان يُنتظر أن يجمع المؤتمر ما لا يقل عن 125 مليار دولار لحماية الغابات والتنوع البيولوجي، وأن يقدّم آليات عملية لتحقيق خفض الانبعاثات بنسبة تقارب 43% بحلول عام 2030 وفق توصيات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
لكن الورقة توضّح أن المسودة الأولى للقرارات، المعروفة باسم Mutirão، جاءت ضعيفة ومفرغة من الجوهر. فقد ركزت على لغة عامة حول خفض الانبعاثات والتكيف والتمويل، من دون أي التزام صريح بإنهاء أو تقليص الاعتماد على النفط والغاز والفحم. هذا الغموض فجّر خلافات حادة بين الدول الطامحة لمسار طاقي جديد، والدول النفطية التي رأت في أي صياغة واضحة تهديداً مباشراً لنموذجها الاقتصادي.
هنا يبرز الدور المركزي لـ"السعودية". تشير الورقة إلى أن الرياض لم تكتفِ بالدفاع عن مصالحها، بل قادت تحالفاً تفاوضياً منظّماً لتعطيل إدراج أي نص ملزم يتعلق بالانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري. هذا التحالف ضم دولاً نفطية أخرى مثل روسيا وبعض الدول العربية والهند، واستند إلى استخدام آليات الإجماع داخل مؤتمرات COP، والتي تمنح أي دولة عملياً قدرة على تعطيل القرار.
تشرح الورقة أدوات التعطيل التي استخدمتها "السعودية" داخل المفاوضات. أول هذه الأدوات كان التمسك الصارم بآلية الإجماع لمنع إدخال أي لغة تمس قطاع الطاقة مباشرة. ثانيها إطالة أمد التفاوض واستنزاف الوفود عبر جلسات مغلقة طويلة، ما دفع رئاسة المؤتمر إلى البحث عن تسويات لغوية أقل طموحاً. ثالثها نقل النقاش من جوهر المشكلة – أي إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري – إلى مقاربة تقنية تركّز فقط على "خفض الانبعاثات" دون المساس بالبنية الاقتصادية للطاقة. ورابعها التهديد الضمني بإفشال التوافق النهائي إذا أُدرجت أي صياغة تتحدث عن التخلص التدريجي من النفط والغاز والفحم.
النتيجة، كما تبرز الورقة، كانت نصاً نهائياً يخلو من أي إشارة مباشرة للوقود الأحفوري. القرار ركّز على التعاون، التمويل، التكيّف، والعدالة المناخية، لكنه تجنّب مواجهة المصدر البنيوي للأزمة. وبذلك تحوّل COP30 من منصة لإعادة هيكلة النظام الطاقي العالمي إلى إطار طوعي يعتمد على حسن نية الدول المنتجة للطاقة.
وتلفت منظمة أميركيون إلى التناقض بين الخطاب الرسمي لـ"السعودية" حول "التحول الأخضر" وسلوكها التفاوضي داخل المؤتمر. فبينما تروج الرياض لمشاريع استدامة وتقنيات خفض الانبعاثات، فإنها في الواقع، بحسب التحليل، تسعى إلى حماية نموذجها النفطي عبر تفريغ القرارات الدولية من مضمونها الملزم. هذا السلوك لا يُقرأ كتصرف ظرفي، بل كاستراتيجية تفاوضية تهدف إلى إعادة توجيه العمل المناخي بعيداً عن المساس المباشر بصناعة النفط.
كما تناقش الورقة الآثار الخطيرة لهذا النهج. فغياب الالتزامات الملزمة يجعل الدول الأكثر هشاشة، خصوصاً الجزرية والنامية، مضطرة للتركيز على التكيّف بدل معالجة جذور الأزمة. كما يخلق سابقة تفاوضية تسمح بتكرار التعطيل في مؤتمرات لاحقة، ما يهدد مصداقية نظام COP بأكمله.
ردود الفعل الدولية، بحسب النص، جاءت غاضبة. منظمات المجتمع المدني مثل أوكسفام وغرينبيس اعتبرت النص النهائي ضعيفاً وغير قادر على حماية المجتمعات المتضررة من الكوارث المناخية. تحالف الدول الجزرية حذر من الاقتراب الخطير من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، بينما عبّر مسؤولون دوليون عن خيبة أملهم من غياب خارطة طريق واضحة للانتقال الطاقي.
في الخلاصة، ترى الورقة أن COP30 لم يكن مؤتمراً فاشلاً بالكامل، لكنه كان مؤتمراً بلا اختراق حقيقي. لقد حافظ على الطموح الخطابي، لكنه أخفق في تحويله إلى التزامات زمنية قابلة للقياس. والأهم أنه كشف كيف يمكن لتحالفات تقودها دول منتجة للنفط مثل "السعودية" أن تعيد تشكيل مخرجات العمل المناخي بما يتناسب مع مصالح قصيرة الأمد، على حساب العدالة المناخية والتحول البنيوي المطلوب عالمياً.