في الفصل الرابع من كتاب “دور الأسرة السعودية في إقامة الدولة الإسرائيلية” يتصدا الناشران (مركز الجزيرة للدراسات والتوثيق ومركز الحرمين للإعلام الإسلامي) للإجابة عن سؤال "لماذا اختار الإنجليز اليهود تحديدا ليزرعوهم على أرض فلسطين كقاعدة بشرية تهدد أمن مصر وتقطع الصلة بين العربي الأفريقي والآسيوي ولتحمي قناة السويس البوابة السرية للقارة الأفريقية، وهذا الاختيار هل كان بدافع انساني أم كانت هناك صفقة مشبوهة عقدت بين الإنجليز وقادة اليهود؟"
وفي الإجابة يشير الكتاب إلى ضرورة الغوص في التاريخ البعيد منذ نجاة نبي الله موسى حتّى استقرار اليهود في الأحياء الأوروبية المعروفة باسم الجيتو ثم ثورة المسيحيين والمطالبة بتخليص أوروبا منهم، حيث تزامن ذلك كله مع المشروع البريطاني بضرورة استيطان قاعدة بشرية لتحمي قناة السويس وظهور الصهيونية العالمية ودعوتها بضرورة البحث عن وطن لليهود في أي مكان في العالم بعد ثورة المسيحيين بسبب أعمالهم وتصرفاتهم، واليهود لديهم شعور بالتمايز والاختلاف عن الآخرين أدى إلى اعتناقهم فكرة النقاء العنصري. وهذا بدوره كان راجعاً إلى تصورهم عن الله عز وجل، فهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وشعوب العالم في مركز منحط يطلقون عليهم كلمة الأممين. هذا التزوير والزيف "لله" أصبح عقيدة لليهود يتحركون بها وأصبحت هذه المبادئ استراتيجيتهم.
في عهد الحاكم الروماني "هاو ربان" تكرر مشهد غدر اليهود فبعد أن مكنهم وأبعدهم عن الاضطهاد توغلوا في البلاد مرة أخرى وأرادو الثورة عليه، فما كان منه إلا أن قتلهم وفرت الغالبية العظمى منهم إلى قلعة على قمة البحر الميت. وكانت بها حامية رومانية وطالبوا قائد الحامية بالاستسلام مقابل عدم قتله، ولكنهم بمجرد أن استسلم القائد قاموا بقتل كل الرومانيين، الأمر الذي أثار ثائرة الرومان، وطاردوا اليهود وقتلوا كل من في القلعة وفرت البقية الباقية منهم إلى مملكة الخرز في روسيا واعتنق بولان ملك الخرز الديانة اليهودية في عام 470 ميلادية وتبعته حاشيته وأصبحت اليهودية هي الديانة الرسمية للمملكة ولكنه حلم لم يدم طويلا فقد غزت الدولة البيزنطية المملكة والتي كانت تسمى كارزيه عام "969"، وتفرق اليهود في كل أوروبا. وبتفرقهم قررت أوروبا الحيطة والحذر منهم بسبب عقيدتهم وأطماعهم وأصدرت الكنيسة عام 1179 في مؤتمر لاتيران الثالث توصيات بفصل المسيحيين عن اليهود وكانت حكومة فينسيا أول من طبق هذا القرار حيث صدر قرار بإيداع اليهود الموجودين بالمدينة في حي المسبك القديم والذي عرف فيما بعد باسم الجيتو. وهو حي كان يوجد على أطراف المدينة، وقد روعي في تأسيسه أن يكون محدد المساحة محاطاً بأسوار عالية تفتح أبوابه في الصباح وتغلق بالليل ويحظر على أي يهودي التواجد خارج الجيتو، ولا يسمح لأي مسيحي بالتواجد داخله.
إلى ذلك، كانت الحكومات الأوروبية جميعاً متفقة على عدم منح اليهود أية مساحة لتوسيع الجيتو فأصبح اليهود يواجهون الزيادة السكانية بالتوسع الرأسي الأمر الذي سبب انهيارات المنازل على رؤوسهم وتحولت أفراحهم إلى مأتم. وهذا السجن سبب لليهود إحساسا بالاضطهاد، فكانوا على استعداد تام لتنفيذ مطالب أية دولة في مقابل تخليصهم من هذا السجن، خاصة بعد مقتل القيصر اسكندر الثاني في روسيا عام 1881.
حامت الشبهات حول اليهود فاندلعت عاصفة من ذبح اليهود، زاد من تأكيدها تكرار نفس الحادث في فرنسا حيث اتهم الفريد دريفوس الضابط بالمدفعية الفرنسية بالتجسس وبيع الوثائق لصالح ألمانيا وقدم إلى المحاكمة وتمت إدانته، وثارت ثائرة الفرنسيين وطالبوا بطردهم من فرنسا. وهكذا كان حال أوروبا واليهود فيها قوماً غير مقبولين من أي شعب، وقتها كانت الإمبراطورية البريطانية قد توطدت أقدامها في البلدان العربية ولكن شعوبها دائماً في حالة ثورة. وقتها قدم اليهود أنفسهم على أنهم يمكن أن يلعبوا دور المندوب عنهم وقطعة مرتبطة بهم، فإذا غطت إنجلترا مصلحتها في وجود هذا الجسم الغريب في الجسم العربي بغطاء إنساني شفاف هو الرغبة في حل المشكلة الأوروبية وحل مشكلة اليهود، فإذا تحقق ذلك تحول كل يهود العالم إلى عملاء لها بأموالهم وانتشارهم في أوروبا، وهكذا استطاع الإنجليز مزج أهدافهم السياسية والمصلحية بشعارات تبدو إنسانية.
وكانت أولى الخطوات عام 1914 عندما كتب حاييم وايزمان إلى صديقه رئيس تحرير المانشيستر جارديان شارحا الخط الصهيوني والتي جاء فيها: " من الممكن الآن أن نقول أنه إذا وقعت فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني وإذا شجعت إنجلترا بعد ذلك توطن اليهود هناك، مستعمرة بريطانيا فإننا نستطيع أن نوجد خلال الثلاثين سنة القادمة حوالي مليون يهودي في تلك البلاد فيطورونها وينقلون الحضارة إليها ويكونون بمثابة حرس فعال لقناة السويس". وبتلك الرسالة حدد الطرفان شروطهما فكانت الطلبات اليهودية هي تسهيل استيطان اليهود في فلسطين في مقابل استمرارهم في خدمة مصالح إنجلترا بحراسة قناة السويس لحسابهم.
في مارس 1915 بدأت بريطانيا تتخذ الخطوات الرسمية لتنفيذ زرع اليهود في فلسطين. عيّن "مارك سايكس" مساعداً لوزير الحربية البريطاني وأصبح الشرق الأوسط داخلا في اختصاصه وبعد وصول مذكرة سير إدوارد جراي إلى سان بطرسبورج بقليل وصل سايكس إلى العاصمة الروسية والتي انتهت باتفاقية "سايكس ـ بيكو"، المعروفة في التاريخ العربي وقد أقنع مارك سايكس جورج بيكو وزير خارجية فرنسا بأهمية إعطاء الصهيونية حق إقامة وطن قومي في فلسطين وانتهت الاتفاقية بتسليم فلسطين إلى إنجلترا.
في 8 فبراير 1917 رتب سايكس لقاء بين سوكولوف وزير خارجية روسيا وجورج بيكو وزير خارجية فرنسا بمقر السفارة الفرنسية بلندن. وقال سوكرلوف: الصهيونيون يعتقدون أنه من المهم جدا لمصالحهم أن تكون إنجلترا هي التي تشرف على فلسطين بعد الحرب ونجح سوكولوف في كسب جورج بيكو ولكن بقي أن يكسب ثقة الوزارة الفرنسية التي كان معظم أفرادها يتمسكون بضرورة استيلاء فرنسا على سوريا الكبرى کلها.
وفي مارس سافر سوكولوف مع سايكس إلى باريس حيث تمكن حاييم وايزمان من إقناع أسرة روتشيلد اليهودية وأغنى الأسر في فرنسا على الإطلاق بضرورة التدخل بكل نفوذها وثقلها المالي للضغط على الوزراء والحكومة الفرنسية وعندما سافر سايكس إلى إيطاليا لإقناع البابا عاد مرة أخرى إلى فرنسا ليجد "جول كامبون" سكرتير عام وزارة الخارجية الفرنسية يسلمه بياناً بإعلان تأييد الحكومة الفرنسية لمطالب اليهودية "الصهيونية" وأصبحت بذلك روسيا وإيطاليا وفرنسا. وهكذا أعلن بلفور في نوفمبر 1917 وعده الشهير في صورة كتاب إلى روتشيلد.
حرصت بريطانيا على جعل إدارة فلسطين في يدها هي فقط، وقد شعر العرب منذ بداية تأسيس الحكم العسكري بخطرين؛ الأول هو شعورهم بالانفصال عن الوطن الأم سوريا، والخطر الثاني مخاوفهم الشديدة الناجمة عن تصريح بلفور، وفي ذلك الوقت تحديدا لم يكن في فلسطين جهاز سياسي وطني ولا منظمات ولم يكن لعرب فلسطين من يتكلم باسمهم في بداية الاحتلال العسكري سوى الشريف حسين. وحرصاً من بريطانيا على أن تجعل تصريح بلفور أمراً نافذا فقد وافقت على إرسال بعثة صهيونية برياسة وايزمان إلى فلسطين، وكانت لها مهمة محددة وهي أن تكون حلقة الوصل بين السلطة البريطانية ويهود فلسطين وأن تقوم بمساعدة اليهود على الهجرة إلى فلسطين وتجديد المستعمرات وتطويرها وتنظيم اليهود بشكل عام، وأن تدرس إمكانية وضع خطة لتأسيس جامعة يهودية.