عاجل:
خبير يقدم نظرة سلبية لاتفاقية دفاع بين واشنطن والسعودية
قالوا وقلنا 2025-11-15 07:06 1469 0

خبير يقدم نظرة سلبية لاتفاقية دفاع بين واشنطن والسعودية

يطرح الخبير الأمريكي، في مقال له رؤية نقدية تحذر من المخاطر السياسية والعسكرية لمثل هذا الاتفاق

في ظل تصاعد الحديث عن احتمال إبرام "ميثاق أمني" بين الولايات المتحدة و"السعودية"، يطرح الخبير الأمريكي كريستوفر بريبل، الزميل الأول في معهد كوينسي للحكم الرشيد، في مقال له رؤية نقدية تحذر من المخاطر السياسية والعسكرية لمثل هذا الاتفاق، معتبراً أنه لا ضرورة له وأنه سيقود واشنطن إلى التزامات مكلفة وغير مضمونة النتائج.

 

فبحسب ما أورده بريبل، فإن واشنطن والرياض تجريان مباحثات حول اتفاق أمني "مماثل للاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة مع قطر"، ومن المتوقع أن يُعلن عنه خلال زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض منتصف نوفمبر. لكن الكاتب يرى أن هذا التوجه يعكس وهماً خطيراً داخل دوائر صنع القرار الأميركي، مفاده أن تقديم الضمانات الأمنية هو وسيلة سهلة لشراء الولاء السياسي من حلفاء واشنطن في المنطقة، مؤكداً أن هذه المقاربة "خاطئة من الأساس" لأن الالتزام الدفاعي تجاه "السعودية" سيكون، في رأيه، "غير ضروري ومحفوفاً بالمخاطر ومن غير المرجح أن يحقق أهدافه".

 

يشير بريبل إلى أن التجربة القطرية الأخيرة -التي صدرت بصيغة أمر تنفيذي من الرئيس الأميركي في سبتمبر- جعلت الالتزام الأميركي تجاه الدوحة الأكثر صراحة من نوعه تجاه دولة عربية، إذ اعتبرت واشنطن أن أي هجوم على قطر سيكون تهديداً للسلام والأمن الأميركيين. ومع أن الاتفاق لم يكن معاهدة رسمية مثل حلف الناتو، فإنه شكّل سابقة يمكن أن تطالب بها دول الخليج الأخرى، وفي مقدمتها "السعودية" التي لطالما سعت للحصول على التزام مشابه من واشنطن.

 

ويطرح الكاتب تساؤلاً محورياً: ما الذي ستجنيه الولايات المتحدة من هذا الالتزام؟ فالمؤيدون يرون أن واشنطن بحاجة إلى طمأنة الرياض بعد ما اعتبروه ضعفاً أميركياً عقب الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو في بقيق وخريص عام 2019، إضافة إلى رغبة إدارة ترامب في استعادة "السعودية" من النفوذ الصيني المتنامي. كما تراهن واشنطن، وفق المقال، على أن تقديم الحماية الأمنية يمكن أن يدفع الرياض إلى التطبيع مع "إسرائيل"، ما يندرج ضمن مشروع "صفقة كبرى" شرق أوسطية.

 

لكن مدير برنامج إعادة تصور الاستراتيجية الأمريكية الكبرى في مركز ستيمسون يفنّد هذه الحجج، مشيراً إلى أن الالتزامات الدفاعية تكون ذات قيمة فقط عندما تردع تهديداً محدداً ومباشراً، وهو ما لا ينطبق على الحالة السعودية. فالعلاقة مع إيران، مثلاً، شهدت تحسناً نسبياً بعد اتفاق المصالحة في عام 2023، كما أن الادعاء بأن النفط السعودي يشكل عنصراً حيوياً للاقتصاد الأميركي لم يعد واقعياً منذ سنوات. بناءً على ذلك، يرى الكاتب أنه لا يوجد تهديد واضح يبرر التعهد بالدفاع عن الرياض، وأن المنافع المزعومة للميثاق ليست حقيقية ولا تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.

 

ويضيف أن الواقع يشير إلى توافق واسع في المصالح بين الطرفين دون حاجة لأي التزام رسمي. فكلاهما يسعى، على المدى القصير، إلى "إنهاء حرب غزة واحتواء التوترات الإقليمية". أما التغلغل الصيني في الخليج، فيراه بريبل محدود التأثير، إذ إن الصين منخرطة بدوافع اقتصادية بالدرجة الأولى، ولن تغيّر وعود واشنطن الأمنية هذا الواقع. ويشير إلى أن محمد بن سلمان نفسه يدرك جيداً كيفية "اللعب بين القوى الكبرى" لتحقيق مكاسب متبادلة، ما يجعل من الصعب على أي التزام أميركي أن يغير توازن العلاقات الذي صنعته الرياض مع بكين وموسكو.

 

ويحذر بريبل من أن الدخول في ميثاق أمني مع "السعودية" يحمل مخاطر كبيرة تتجاوز المكاسب المحتملة، فهو قد يخلق ما يسميه "الخطر الأخلاقي"، حيث يشجع الدعم الأميركي غير المشروط الرياض على التصرف باندفاع عسكري، كما حدث في اليمن، حين ساهم الدعم الأميركي في إشعال حرب مدمّرة انتهت بكارثة إنسانية. إن تعهد واشنطن بالدفاع عن "السعودية" قد يقيد مرونتها الاستراتيجية، ويجعلها عرضة للابتزاز السياسي أو للانجرار إلى صراعات لا تخصها مباشرة.

 

ويشير الكاتب إلى أن لغة "الضمان الأمني القطري" نفسها قوبلت بتفسيرات مبالغ بها، حتى اعتبرها البعض شبيهة بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، ما خلق توقعات غير واقعية حول حجم الالتزام الأميركي. وفي حال تطبيق نموذج مشابه مع "السعودية"، فإن الرسالة التي ستُرسل إلى دول المنطقة ستكون أن واشنطن لا تزال "الضامن الوحيد" للأمن الخليجي، وهو ما سيعزز الاتكال الدائم عليها ويمنع الدول من بناء منظوماتها الدفاعية المستقلة.

 

وفي قراءة أوسع للسياسة الأميركية، يرى بريبل أن أي ميثاق جديد مع الرياض سيُعرقل عملية إعادة التموضع الاستراتيجي التي يفترض أن تُخرج واشنطن تدريجياً من مستنقع الشرق الأوسط، حيث تتضاءل أهمية المنطقة مقارنة بآسيا والمحيط الهادئ. ويخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة يمكنها حماية مصالحها "المتواضعة" في المنطقة دون قواعد عسكرية ضخمة أو التزامات قتال نيابة عن "السعودية".

 

في ختام المقال، الذي نشره معهد كوينسي للحكم الرشيد، يؤكد بريبل أن إدارة ترامب – إن كانت جادة في تصحيح أخطاء الإدارات السابقة – يجب أن "تطوي صفحة فكرة الميثاق الأمني مع السعودية نهائياً"، لأن مثل هذه الالتزامات لا تجلب سوى الأعباء وتُبقي واشنطن أسيرة تحالفات مكلفة وغير منتجة. فالمصالح المشتركة، كما يقول، لا تحتاج إلى ضمانات عسكرية لتبقى قائمة، بل إلى علاقات متوازنة قائمة على الندية والمصالح المتبادلة، لا على صفقات الحماية التي عفا عليها الزمن.

آخر الاخبار