عاجل:
تهاوشنا على الصيدة وفلتت... ثم قتلناها
قالوا وقلنا 2025-06-16 06:36 1401 0

تهاوشنا على الصيدة وفلتت... ثم قتلناها

حديث حمد بن جاسم آل ثاني المشهور عن سوريا، ودعم قطر والسعودية والأردن وتركيا بإشراف أميركي وإسرائيلي، الحرب عليها

بقلم: بدر الحاج/ لبنان...

حديث حمد بن جاسم آل ثاني المشهور عن سوريا، ودعم قطر والسعودية والأردن وتركيا بإشراف أميركي، الحرب عليها (وربما خجلاً لم يذكر إسرائيل) رافقه، كما قال حمد، تشكيل غرفتي عمليات في تركيا والأردن، ولكنهم اختلفوا على ما يبدو على تقاسم نهر المال المتدفق. وكانت النتيجة كما وصفها بالضبط «تهاوشنا على الصيدة والصيدة فلتت». الآن كل ذلك بات من التاريخ، لقد تحققت أمنياتهم وهذه المرة قتلوا «الصيدة»، وانتصر من أمرهم بتفجير سوريا.

منذ اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، كان واضحاً أن الهدف هو إجراء تغيير جذري في البلاد، وتحويل الوضع إلى ما يشبه العراق وليبيا. وهذا ما حصل بعد حرب دامت عقداً ونيفاً من الزمن. فقد تم بنجاح كامل تدمير المجتمع السوري، وتحوّلت سوريا التي نعرفها تاريخياً، على الأقل منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى ركام.

عندما أشير إلى ما جرى في البلدان الثلاثة، ليبيا والعراق وسوريا، فهذا لا يعني إطلاقاً أنني من المعجبين بتلك الأنظمة التي أطاحها الغرب. لكنني أعتقد أن السبب الرئيسي، وقد يكون الوحيد، لتدمير البلدان الثلاثة، هو التمهيد لأرضية استسلام عربية جماعية خاضعة للتسلط الصهيوني الأميركي. كان القاسم المشترك للأنظمة الثلاثة التي أطيح بها أنها كانت أنظمة ديكتاتورية، ولكنها أيضاً كانت عقبة أمام الاستسلام اللامشروط للصهاينة كما يحدث اليوم.

في المشهد العراقي، كان النظام البعثي متماسكاً وقوياً، ووحده صدام حسين يتحكّم في مصير العراقيين. وهو ارتكب من المغامرات السياسية والعسكرية والجرائم ما لا يحصى. عمد إلى تصفية جميع القادة التاريخيين للبعث العراقي في تمثيلية قاعة الخلد عام 1979 والتي عرفت بـ«مجزرة الرفاق». وزجّ البعض الآخر في السجون بتهم ملفقة، مثلما حدث لعبد الخالق السامرائي أحد أبرز قيادات البعث الذي ظلّ في السجن الانفرادي مدة ست سنوات، إلى أن أعدمه في 8 آب 1979 رمياً بالرصاص بتهمة المشاركة مع حافظ الأسد، وهو في السجن، في مؤامرة ضد حكمه.

خاض صدام حروباً مخابراتية ضد رفاقه في البعث السوري، ودعم، مع حسني مبارك ونظام الأردن، التنظيم الإجرامي لـ«الإخوان المسلمين» في سوريا المسمّى «الطليعة المقاتلة»، باعتراف قادة التنظيم أنفسهم. أرسلوهم إلى سوريا حيث بدأت بذور الحرب الأهلية في مجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، ثم تلاها أحداث حماه المرعبة عام 1982. كان الشغل الشاغل لحكم صدام كيف يمكن الإطاحة بالحكم البعثي في سوريا حتى ولو أدى ذلك به إلى استعمال السلاح المذهبي الذي دمّر -كما يتبيّن اليوم- سوريا والعراق معاً.

«الطليعة المقاتلة» المنبثقة من «الإخوان المسلمين» والتي دشّنت أعمالها العسكرية بالقتل على أساس طائفي، بدأت نشاطها مع «الجهاد» الأفغاني حيث كان عشرات الآلاف من الشبان العرب قد التحقوا بالمجاهدين الأفغان لمحاربة «الكفر الشيوعي». كان التمويل عربياً والسلاح يتدفق من مصر السادات وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وهذا تاريخ وثقته أبحاث ومذكرات عدد من الأميركيين.

تلقى أعضاء «الطليعة المقاتلة» في الشام التدريب على أيدي الأردنيين ثم مع حركة فتح عام 1969، وهناك تم تأسيس النواة الأولى لما سمي «الجهاد السوري». ولاحقاً عندما فشلت حملة «الإخوان المسلمين» الإرهابية في سوريا، اعتذر الملك حسين علناً على ما اعتبره خطأ دعم «الإخوان».

لكن صدام واصل نهجه التدميري. خاض حرباً ضد إيران، وكان يفاخر بأن أول قذيفة أطلقت في تلك الحرب المشؤومة أطلقها حليفه الملك حسين، والذي أصبح أول من طعنه خلال حرب احتلال العراق. ثم جاءت مغامرته الأخيرة بغزو الكويت، فأدت إلى احتلال العراق الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم. حاصر الغرب العراق قرابة ثلاثة عشر عاماً، وقضى مئات الآلاف من العراقيين بسبب الحصار. وبرعاية الغرب وإسرائيل قام حكم انفصالي في شمال البلاد.

أنهك العراق بالحصار كما أنهكت سوريا لاحقاً، وبعد أن عجزوا عن إسقاط الحكم، أعلنوا الحرب تحت شعار «إزالة سلاح الدمار الشامل» الذي ثبت بطلانه. وانطلقت الطائرات الأميركية من قواعد عسكرية أقيمت على الأرض العربية لقتل العراقيين وتدمير جيشهم. وسقط العراق لمصلحة الغرب وإسرائيل. واليوم يذرفون دموع التماسيح على ما سمّوه سقوط العراق بيد إيران.

السؤال الذي يطرح اليوم بعد كل الكوارث التي دمّرت العراق: ماذا جنى العراقيون من حرب ضروس شنّها صدام حسين على إيران أو على الكويت؟ دمار وخسائر بمليارات الدولارات وموت حصد مئات الآلاف من العراقيين والإيرانيين. الأطراف العربية التي موّلت حرب صدام ضد إيران، هي نفسها الأطراف التي دفعت مليارات الدولارات لآلة الحرب الأميركية لتدمير العراق. وكانت نتيجة الحرب العراقية-الإيرانية تمرير اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني بسهولة، كما توّجوا نصرهم لاحقاً بحرب تدمير العراق وتسريح جيشه وقتل علمائه، وخروجه نهائياً من الصراع مع إسرائيل أسوة بالنظامين الأردني والمصري.

لا بد لنا من التذكير بتلك الأحداث من أجل معرفة أسباب ما وصلنا إليه اليوم. ونذكّر أيضاً أنه فور توقف القتال بين العراق وإيران سنة 1987، وبدلاً من تضميد جراح العراقيين من تلك الحرب، وإجراء مراجعة للسياسات المتبعة، عمد صدام إلى إرسال أطنان من الأسلحة وملايين الدولارات وفتح معسكرات تدريب للقوى اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل، والهدف دعم موقفها ضد البعث السوري.

قصر نظر وغباء وحقد دفين نفهم منه ومن كل السياسات التي اتّبعت أن موضوع الصراع مع الغزاة الصهاينة وضع على الرف، فالأولوية والغاية هي قتال الرفاق في دمشق. هذا السقوط المريع هو ما يفسّر اليوم لماذا هذا التشظّي والانفجار المذهبي في العراق والشام وامتداداته في لبنان المريض طائفياً!

إعادة التذكير بتلك الوقائع التاريخية المقصود منها عدم الانجراف في موجة التحريض الطائفي المتواصل حتى اليوم، والذي سهّل احتلال العراق ولا يزال يمعن في تمزيق ما تبقى من المجتمع العراقي، وكذلك دمّر سوريا وأخرجها من معادلة الصراع مع العدو المحتل لأرضها. لقد استثمر الغرب بنجاح في العراق والشام ولبنان في التمايزات والاختلافات المذهبية خير استثمار، وحوّل المنظمات التكفيرية التي مُوّلت ودُرّبت وسُلّحت من أموال الخليج إلى جنود يستميتون باسم المذهب للقتال لمصلحة المشروع الاستيطاني الصهيوني وتثبيت النفوذ الأميركي في بلادنا. بدليل أنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على العدو، وما تصريحات قادة «القاعدة» الذين يتحكّمون في السوريين إلا خير دليل.

وكما استعمل صدام السلاح الإخواني في حربه ضد حكم البعث في الشام، استعمل الأميركيون بنجاح كبير السلاح المذهبي للسيطرة على العراق. دعموا المنظمات التكفيرية التي زرعت الموت والدمار في العراق بعد سقوطه تحت السيطرة الأميركية وزُرعت الأرض العراقية بالقواعد العسكرية، وتمت السيطرة على إنتاج النفط، ثم انتقلت الحملة الغربية لإسقاط البعث السوري.

كانت دمشق بموقعها الإستراتيجي وعلاقتها العضوية مع المقاومة في لبنان وفلسطين حجر العثرة الأخير أمام السيطرة الأميركية الإسرائيلية على سوريا الطبيعية. إسقاط الحكم في دمشق كان يعني إسقاط كل دول الطوق حول فلسطين، مع العلم أن إمارة شرق الأردن كانت ساقطة منذ زمن المؤسس عبدلله بن الحسين. وللأسف إن الحرب التي استعرت بين البعثين السوري والعراقي شهدت استعمال الأساليب الإعلامية كافة والعمليات الإرهابية في البلدين. القمع والقتل ضد قادة البعث في العراق انتقلا أيضاً إلى الشام.

في عملية الصراع على السلطة في دمشق وبغداد لا مجال للحلول الديموقراطية، «يا قاتل يا مقتول» كما يقول المثل الشعبي. ومن الأمثلة ما حدث للأمين العام القطري لحزب البعث صلاح جديد الذي اعتقل في تشرين الثاني 1970 بعد انقلاب حافظ الأسد عليه وبقي في السجن حتى وفاته في آب 1993. وعندما نستعيد أحداث تلك المدة يتأكد لنا بشكل لا لبس فيه استحالة قيام المؤسسات في بلادنا. الفرد هو الذي يقرّر، وما تبقى شعارات وديكور. كما أثبتت الأحداث استحالة قيام أي تفاهم أو لقاء أو تعاون بين الكيانين السياسيين في العراق والشام، لأنه أمر ممنوع عربياً ودولياً وصهيونياً حتى لو كان حزبٌ واحدٌ يحكم في البلدين.

عندما كان النظام الملكي يحكم العراق في الأربعينيات من القرن الماضي جرت مباحثات سرّية بين نوري السعيد وشكري القوتلي بهدف التعاون والتنسيق ثم الوحدة. لكن تم إفشال المحاولة عربياً وبدعم من البريطانيين كما أثبتت الوثائق السرية الفرنسية (راجع كتاب مائير زامير: «الحرب الإنجلو-فرنسية في سوريا ولبنان 1940- 1948». دار روتلدج، لندن 2015).

بالعودة إلى الوضع السوري، لا ضرورة لتكرار كيف بدأت محاولات إسقاط سوريا، سواء من تهديدات وزير الخارجية الأميركي كولن باول أو من البدء بتجييش مئات الآلاف من التكفيريين الذين شحنوا جواً من وسط آسيا وشمال أفريقيا وأوروبا وشبه الجزيرة العربية للجهاد ضد «الكفر» في سوريا. كما استعمل سلاح التكفير والصراع المذهبي في العراق لإسقاط بغداد والإعلان عن كيان كردي في الشمال. استعمل السلاح نفسه في سوريا وقرر الأميركيون والصهاينة دعم قيام كيان كردي أيضاً. يضاف إلى ذلك حصار سوريا والاستيلاء بالقوة على نفطها ومواردها الزراعية.

إنّ نظرة إلى ما جرى في كل من العراق والشام تقودنا إلى استحالة فهم كيف أن نظاماً بعثياً يموّل ويسلّح ويدرّب عتاة التكفيريين أو المتصهينين اللبنانيين ضد نظام بعثي آخر. للأسف هذا بعض التاريخ الدموي لنظامي البعث في كلتا الحالتين العراقية والسورية. وعذر تدمير سوريا في أن نظام البعث ديكتاتوري كما نظام صدام، رغم صحته، فهو قميص عثمان الهدف الحقيقي منه كان فتح دمشق أمام الصهاينة وهذا بالضبط ما جرى. التكفيريون الذين وضِعوا على لوائح الإرهاب ورُصِدت الملايين للإدلاء بمعلومات عن أماكن تواجدهم، أصبحوا بين ليلة وضحاها من الأشخاص المفضلين لحكم سوريا، كما أعلن ترامب أخيراً.

ما يهمنا اليوم أن مخطط إزالة كل العقبات أمام استسلام الأنظمة العربية قد تم بالقوة العسكرية. والدرس الذي يتوجب على أحرار هذه البلاد تعلمه هو أن الغرب بكل قوته وسطوته وإجرامه لا يستطيع اختراق مجتمعاتنا وتدميرها دون استغلال نقاط الضعف وتجنيد العملاء، والسلاح الفعال في يديه منذ القرن التاسع عشر كان ولا يزال الفتنة المذهبية. فشلُ البعث السوري والعراقي في تجاوز الوضع الطائفي أدى إلى ضياع فرص ذهبية لتقدّم بلادنا وتحرّرها، وبغض النظر عما إذا كان البعث كفكرة كانت واقعية وقابلة للحياة أم لا فالنتيجة كارثية.

لذلك نحن نغرق اليوم في مزيد من التشظي إذ تبدل اتجاه البوصلة من تحرير الأرض المحتلة إلى التحول باتجاه قتل ما يسمى «الكفار والروافض». شعوبنا تحصد اليوم نتائج فشل الأنظمة التي تم تركيبها بعد الحرب العالمية الثانية، والنتيجة قتلَ ممولو حروب الغرب «الصيدة».
 

آخر الاخبار