عاجل:
المسجد الحرام يتراجع عن إدانة جرائم الصهاينة
فلسطين وآل سعود 2025-12-23 09:46 1480 0

المسجد الحرام يتراجع عن إدانة جرائم الصهاينة

على الرغم من أن قناة "الإخبارية" الحكومية في "السعودية" قد حذفت المقطع الذي يظهر فيه إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ صالح بن حميد وهو يتحدث بسلبية عن الكيان الصهيوني، إلا أن هذا الإجراء الرقابي الاستباقي لم يمنع دوائر صنع القرار والإعلام في تل أبيب من استغلال الحادثة لشن حملة ضغط سياسي واسعة.

تعكس هذه الحملة حالة من الهستيريا التي أصابت الأكاديمي الصهيوني إيدي كوهين في مقال رأي نشره بصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، حيث هاجم فيه إمام الحرم المكّي، معتبراً أن ما يصدر من فوق المنبر المكّي يمثل العائق الحقيقي أمام طموحات "التطبيع" وشروط "الشرق الأوسط الجديد".

 

 

 

التوظيف السياسي وشيطنة الخطاب:

 

 

 

تحت عنوان التطبيع؟ خطبة مكة التي لا يرغب أحد في الغرب بسماعها، حاول كوهين رسم رابط تعسفي بين هجمات "سيدني" في أستراليا وكلمات بن حميد، واصفاً الخطبة بأنها "معادية للسامية بشكل علني، ومعادية لليهود، ومعادية لإسرائيل". والمثير للسخرية في هذا الهجوم هو التخبط المهني؛ إذ عجز كوهين وفريقه التحريري عن إيجاد صورة لبن حميد وهو في حالة غضب تخدم روايتهم التحريضية، فقاموا بجلب صورة من خطبة عيد الأضحى لأحد أئمة الهند، في محاولة بائسة لتصوير "المنبر المكي" كمنبع للعنف العابر للحدود.

 

 وينقل كوهين بامتعاض أن بن حميد دعا خلال الخطبة بأن "يعاقب الله اليهود"، واصفاً الكيان بأنه "عدو صهيوني قاسٍ"، مع الإشادة بـ "النضال الفلسطيني". هذا النقد، الذي يُعد تاريخياً جزءاً من الأدبيات الدينية والسياسية في المنطقة والذي من المفترض أن يكون جزءاً من الخطاب الطبيعي الساري في بلاد الحرمين الشريفين، حوّله النظام السعودي بسبب سلوكه الانبطاحي مع الغرب إلى أداة ابتزاز ضده؛ حيث يجادل كوهين بأنه بغض النظر عن وجود صلة مباشرة بين الخطبة وهجوم سيدني، فإن مثل هذا الخطاب "يشجع الإرهابيين، ويضفي شرعية دينية على قتل اليهود". ويتساءل كوهين باستنكار استعلائي: "ماذا يفترض أن يفكر ملايين المسلمين عندما يسمعون إمام مكة يشتم اليهود ويلعنهم؟".

 

 

 

منطق التبعية وفخ الحماية:

 

 

 

يتجاوز المقال نقد الخطبة ليصل إلى جوهر العلاقة بين الرياض وواشنطن وتل أبيب، حيث يمارس كوهين نوعاً من الوصاية السياسية حين يقول: "بصفتي شخصاً تابع العالم العربي لأكثر من عقدين من الزمن، أستطيع أن أقول لكم بكل تأكيد: لم يتوقف السعوديون، ولو للحظة واحدة، عن شتم اليهود من أعلى منبر يمكن تصوره، ولن يتوقفوا". هذا التصريح يهدف بالأساس إلى إحراج "القيادة السعودية" أمام الغرب الذي يعمل محمد بن سلمان بكل جهده لكسب رضاه، وتصوير النظام السعودي ككيان "مزدوج الخطاب" لا يمكن الوثوق بتحولاته "الحداثية".

  

وفي سياق التحليل السياسي، يقول كوهين إن محمد بن سلمان "يريد أن يُنظر له كبطل عربي نجح في إقامة دولة للفلسطينيين"، وأن القيادة السعودية لن توقف هذا النوع من الخطاب لأن القضية الفلسطينية هي "بطاقة دخولها نحو ترسيخ مكانتها بين العرب". وبمنطق استعلائي، يختم الكاتب الصهيوني مقاله بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك "حقاً" في مطالبة الرياض بوقف هذه الخطب؛ نظراً لأن أمريكا هي من "تحمي السعوديين في الخليج من إيران عملياً"، وهو ما يضع ما تبقى من "السيادة السعودية" على محك المقايضة الأمنية المذلة.

 

 

 

ارتباك الرقابة وتناغم الضغوط الدولية:

 

 

 

هذا الهجوم لم يكن معزولاً، إذ تساوق معه تقرير لموقع "Jewish Insider" الأمريكي المعني بالشؤون الإسرائيلية، والذي أدان بلهجة حادة وصف إمام الحرم لأطفال فلسطين بأنهم "قدوة حسنة" في مواجهة ما وصفه بـ"العدو الصهيوني القمعي والوحشي". التقرير الأمريكي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل صبغ "السعودية" بصبغة سلبية عبر تصوير المؤسسة الدينية الرسمية فيها كحاضنة لخطاب "متطرف" يهدد مساعي السلام، مشيراً إلى أن بقاء مثل هذه اللغة في قلب مكة يعكس "فشلاً" في السيطرة على الرسائل الرسمية الموجهة للعالم الإسلامي.

  

إن هذا التناغم الإعلامي الغربي-الصهيوني يفسر الأسباب الحقيقية وراء قيام وسائل الإعلام السعودية بحذف هذا الجزء من الخطبة؛ فالسلطة تحاول يائسة إخفاء الرسائل التي قد تعرقل مساراتها الدبلوماسية، لكنها في المقابل تظهر بمظهر "المرتبك" الذي يفقد السيطرة على روايته الداخلية أمام الضغط الخارجي. إن حذف ذكر "أطفال غزة" و"العدو الصهيوني" من السجلات الرسمية للقناة الحكومية، رغم أنه محاولة لاسترضاء الخارج، إلا أنه يعطي ذريعة للمراقبين مثل كوهين للقول بأن النظام "يخفي الحقيقة" ولا يغيرها، ويؤكد لـ "Jewish Insider" وحلفائه أن الرياض تعيش حالة من الفصام بين ما تقوله في الغرف المغلقة وما يُقال فوق منابرها.

  

إن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز حدود خطبة واحدة؛ إنه يكشف عن أن "التطبيع" بالنسبة للاحتلال ليس مجرد اتفاقية سياسية، بل هو مشروع لإعادة صياغة الهوية الثقافية والسياسية والدينية لشبه الجزيرة العربية. إن الهستيريا الصهيونية تجاه منبر مكة تؤكد أن الاحتلال لا يرى في "السعودية" نداً شريكاً، بل يراها "تابعاً" يجب أن تُفصّل كل شيء وصولا إلى خطبه الدينية في أروقة واشنطن وتل أبيب لتناسب المقاسات الصهيونية.

 

آخر الاخبار