يكشف حصاد هذا الأسبوع من الأخبار والتقارير عن صورة مترابطة لمملكة تُدار بقبضة أمنية واقتصاد عائلي، بينما يُعاد تشكيل المجتمع تحت شعارات “التحديث” و“رؤية 2030”، في ظلّ تصاعد القمع الرقمي والواقعي، وتنامي المخاوف من التطبيع العلني مع إسرائيل، وتهميشٍ متواصل لهموم المواطن والطبقات الأضعف، وعلى رأسها النساء والعمال المهاجرون.
أولاً: ثروة العائلة وخصوصية تركي بن سلمان
تُظهِر المعطيات المنشورة حول دور تركي بن سلمان أن مركز القرار الاقتصادي الحقيقي لا يمر عبر مؤسسات الدولة، بل عبر شركة عائلية مغلقة تتحكم في بوابات الاستثمار.
بحسب المعطيات، أُوكل إلى تركي “إدارة ثروات محمد بن سلمان الشخصية وأصول الأسرة، بالإضافة إلى المحافظ العقارية الخاصة بالملك سلمان”، لتصبح شركة “ثروات القابضة” أداة مركزية لـ“إدارة أصول تُقدَّر بحوالي 250 مليار دولار، وتتحكم في بوابة دخول أي شركة أجنبية للسوق السعودي”.
هذه الصورة ترسم ملامح اقتصاد موازٍ فوق المؤسسات الرسمية، حيث تتحول الشركة إلى “ملاذ آمن” لأموال ولي العهد وإمبراطورية عائلته، مع تشبيه واضح ببعض الأنظمة التي “تهرّب الأموال الوطنية إلى الخارج تحسبًا لتغيّرات سياسية”.
في هذا السياق، يبدو أن تركي بن سلمان ليس مجرد شقيق لولي العهد، بل امتداد مباشر لسلطة محمد بن سلمان المالية، في قلب شبكة استثمارات تمتد من العقار إلى الطيران واستيراد السلاح.
تفاصيل الأصول المدارة:
القيمة التقديرية: حوالي 250 مليار دولار أمريكي.
الهدف المعلن: إدارة الثروات الشخصية للملك وولي العهد، وأصول الأسرة الحاكمة.
الدور الفعلي: البوابة الوحيدة للشركات الأجنبية الراغبة في الدخول للسوق السعودي، مما يضع “ثروات القابضة” كـ"بوابة إلزامية" تتجاوز البيروقراطية الرسمية.
المخاوف المذكورة: تشير التقارير إلى أن هيكلة هذه الثروات بهذا الشكل الخاص تثير مخاوف من أنها قد تكون خطة تحوّط مالي في حال حدوث تحولات سياسية غير متوقعة، مما يضع مصير الثروة الوطنية في يد كيان غير خاضع للمساءلة الحكومية المعتادة.
ثانيًا: رؤية 2030 بلا إصلاح سياسي
تقرير استخباراتي تحليلي دولي رسم هذا الأسبوع صورة قاتمة لحقبة محمد بن سلمان، واعتبر أن السنوات الأخيرة تمثّل “أكثر الفترات استبدادًا في تاريخ المملكة الحديث”، وأن “رؤية 2030” ليست سوى واجهة لتكريس حكم الفرد الواحد.
التقرير يصف نصف الرؤية بأنها أهداف اقتصادية قابلة للقياس، بينما النصف الآخر “وعود طوباوية لا تمتلك أي مؤشرات أداء أو آليات تقييم”، مع شعار فضفاض لتحويل البلاد إلى “مجتمع نابض بالحياة”، وُصف بأنه “شعار ترويجي أكثر منه خطة إصلاح حقيقية”.
الأخطر أن الرؤية “تجنبت تمامًا أي التزامات تتعلق بالإصلاح السياسي، أو توسيع المشاركة الشعبية، أو تحديث منظومة الحكم”، في قطيعة كاملة مع ما رُوِّج له في عهد سابق.
جمع الأمراء ورجال الأعمال في “الريتز” عام 2017 يُقدَّم بوصفه “نقطة التحول الكبرى التي وجّهت رسالة صريحة: من اليوم فصاعدًا، السلطة المطلقة محصورة في يد رجل واحد”، تلتها موجات اعتقال شملت الأكاديميين والناشطين ورجال الدين، في عملية “هندسة سياسية” لتجفيف الفضاء العام.
تحليل رؤية 2030 وفق التقرير:
الشق الاقتصادي (قابل للقياس): يشمل المشاريع الضخمة وتحويل مصادر الدخل بعيدًا عن النفط.
الشق الاجتماعي/الروحي (وعود طوباوية): مثل "المجتمع النابض بالحياة" الذي يفتقر إلى مؤشرات قياس واضحة (KPIs).
غياب الإصلاح السياسي: لا يوجد أي مسار واضح للمشاركة الشعبية أو مؤسسات الحكم الرشيد.
الاستبداد المتزايد: مقارنة الفترات السابقة، تم التأكيد على أن القمع ارتفع بشكل غير مسبوق منذ حملة الريتز.
ثالثًا: الكحول تحت راية “التحديث”
على المستوى الاجتماعي، واصل ابن سلمان هذا الأسبوع خطواته في مسار “التحديث الانتقائي” بفتح أبواب الكحول على نحو متدرّج.
بحسب التقارير، سُمح لغير المسلمين من حاملي الإقامة المميزة بشراء الكحول من متجر في الرياض، بعد أن كان “مخصصًا للدبلوماسيين الأجانب فقط”، في خطوة توصف بأنها “تحوّل خطير في سياسة المملكة الاجتماعية والدينية”.
في موازاة ذلك، تشير معلومات أخرى إلى أن السلطات “تخطّط لافتتاح متجرين جديدين لبيع الكحول في الظهران وجدة”، في استمرار لنهج يسوَّق على أنه جزء من رؤية الانفتاح، بينما يعكس “انفصالًا بين ممارسات النخبة الحاكمة والقيود المفروضة على المواطنين العاديين”.
خريطة انتشار الكحول (حسب التقارير الجديدة):
الرياض: توسيع نطاق البيع ليشمل حاملي الإقامات المميزة (غير المسلمين).
جدة والظهران: خطط لافتتاح متاجر جديدة في هذه المدن الرئيسية.
الاستثناء: المتجر الأصلي ظل مخصصًا بشكل أساسي للدبلوماسيين.
هذه الخطوة، رغم تسويقها كـ"تحديث"، تضع المملكة في مواجهة بين التزامها الديني الرسمي وبين التوجهات الاجتماعية الجديدة التي تخدم فئة محددة من المقيمين والنخبة.
رابعًا: التطبيع العلني واستقدام آلة الدعاية الإسرائيلية
في سياق السياسة الخارجية، برز هذا الأسبوع حضور إعلامية صهيونية معروفة في الرياض كمراسلة لمنصة رياضية عالمية مرتبطة برأس مال داعم لإسرائيل.
ظهورها في قلب موسم الرياض يُقرأ كونه “إشارة سياسية مدروسة” تعني أن التقارب مع تل أبيب تجاوز الكواليس.
التقرير يصف الأمر بأنه “صفعة سياسية وأخلاقية” لجمهور عربي يتابع في الوقت نفسه حرب غزة، ويرى أن الرياض “تسعى إلى الحصول على الشرعية الأمريكية عبر بوابة العلاقات الإسرائيلية”، بينما تُعامل القضية الفلسطينية كورقة تفاوض لا كمبدأ ثابت.
بالتوازي، تكشف تقارير سياسية أخرى عن حذر ابن سلمان من إعلان التطبيع بشكل كامل تحوّطًا من الغضب الشعبي، مع الإشارة إلى أن صفقات استراتيجية – من بينها صفقة مقاتلات متطورة – أصبحت جزءًا من معادلة الابتزاز المتبادل بين واشنطن، وتل أبيب، والرياض.
أبعاد التقارب:
الدعاية المرئية: استخدام الفعاليات الكبرى (موسم الرياض) كمنصات لتمهيد الرأي العام لتقبل الوجود الإسرائيلي المباشر.
الصفقات الاستراتيجية: ربط التقارب الأمني والعسكري (صفقات السلاح) بالتقدم في ملف التطبيع.
الحسابات الداخلية: الموازنة بين الرغبة في التقارب الإقليمي المدعوم أمريكيًا، والخوف من رد فعل الشارع السعودي والإسلامي المحافظ.
خامسًا: القمع العابر للحدود وواقع النساء
على المستوى الحقوقي، يبرز هذا الأسبوع وجهان متلازمان لقمع النظام: استهداف النساء في المنفى، وتكريس العنف ضد النساء في الداخل.
1. القمع العابر للحدود:
يحذّر تحالف حقوقي من أن “النساء المدافعات عن حقوق الإنسان والصحفيات والمعارضات في المنفى يواجهن تهديدات متزايدة”، ويصف ما يجري بأنه “قمع عابر للحدود” يحمل بعدًا قائمًا على النوع الاجتماعي، تُستخدم فيه التهديدات بالعائلة، والتشهير، والابتزاز الرقمي لإسكات الناشطات.
2. واقع المرأة الداخلي:
في الداخل، تؤكد قراءة لوضع المرأة أن ما يقدَّم كـ“إصلاحات تاريخية” ليس إلا “غطاء دبلوماسي وسياسي لتثبيت نظام استبدادي قائم على السيطرة المطلقة على حياة المرأة وترسيخ العنف ضد النساء”.
وبحسب النص، فإن نظام الأحوال الشخصية حوّل “الطاعة” إلى التزام قانوني يقيّد الزواج، ومغادرة دور الإيواء، وحضانة الأطفال، بينما يبقى تفسير “العصيان” بيد قضاة رجال “موالين للدولة”.
بدلًا من الصورة اللامعة التي تُسوّق لها الدولة حول «تحسين أوضاع المرأة»، يكشف الواقع القانوني أن هذه الوعود لا تمسّ جوهر المشكلة.
فبينما تتحدث الحملات الرسمية عن تمكين المرأة، يبقى مبدأ «الطاعة» ثابتًا في قانون الأحوال الشخصية، ويُعامل كالتزام قانوني يُستخدم ضدها عند أول خلاف.
وفي الوقت الذي يُروَّج لحرية التنقل باعتبارها منجزًا إصلاحيًا، تستمر القيود في ملفات حساسة مثل مغادرة دور الإيواء أو السفر، حيث يتطلب الأمر موافقات ويخضع لتقديرات جهات ذكورية تمامًا.
أما ما يُقدَّم تحت عنوان «حقوق الأمومة»، فلا يتجاوز كونه صياغات عامة، لأن القرار الفعلي في حضانة الأطفال وتفسير ما يسمى «العصيان» يبقى بيد قضاة ذكور يملكون سلطة واسعة في إعادة المرأة إلى موقع التابع مهما كانت الصياغات الإعلانية عن المساواة.
سادسًا: القمع الرقمي وتأديب المجتمع
على مستوى الفضاء الرقمي، فجّرت ميزة جديدة على منصة “إكس” جدلًا واسعًا بعد كشف بلدان تأسيس الحسابات ومواقع التغريد.
تَبيَّن أن “عددًا كبيرًا من الحسابات المعارضة للنظام السعودي لا يُدار من داخل المملكة، بل من دول عدة”، وأن بعض أكثر الحسابات تطرفًا في انتقاد مشاريع كبرى مثل “نيوم” ينطلق من دول منافسة إقليميًا.
هذا الكشف استُخدم لتأجيج خطاب التخوين المتبادل، وتسليط الضوء على “صراع النفوذ المتصاعد بين الرياض وأبوظبي في الفضاء الرقمي”، بين جيوش إلكترونية متقابلة.
في الداخل، تحركت السلطات سريعًا لتكريس نموذج العقاب.
فقد أعلنت هيئة تنظيمية رسمية إحالة ستة ناشرين إلى النيابة العامة بتهمة نشر محتويات “ممنهجة بهدف تأجيج الرأي العام”، مع التذكير بأن العقوبة قد تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة ثلاثة ملايين ريال لكل من ينتج أو ينشر ما يُعتبر “مساسًا بالنظام العام”.
هكذا يكتمل مشهد الرقابة: منصة تكشف المواقع، وسلطة تستخدم ذلك لتبرير المزيد من الملاحقات.
آلية تأديب الفضاء الرقمي:
الكشف عن المصادر الخارجية: استخدام بيانات المنصات لتشويه مصداقية المعارضة الداخلية واتهامها بالعمالة الأجنبية.
الملاحقة الداخلية: استهداف النشطاء داخل المملكة بتهم فضفاضة مثل "تأجيج الرأي العام".
التخويف المالي والقانوني: التلويح بعقوبات صارمة:
السجن: يصل إلى 5 سنوات.
الغرامة: تصل إلى ( 3,000,000 ) ريال سعودي.
سابعًا: أعباء اقتصادية على المواطن وتمويل المشاريع بأي ثمن
اقتصاديًا، حمل الأسبوع مؤشرات ضغط إضافية على حياة المواطن.
فقد نُشرت تعديلات على الرسوم الجمركية طالت مئات السلع الأساسية، من “لحوم الأبقار والأسماك” إلى “الشاي والعسل واللوز والفستق”، في خطوة تعني ضمنًا ارتفاعًا إضافيًا في تكاليف المعيشة.
في الخلفية، تَكشف تقارير اقتصادية عن أن شركة النفط الوطنية تعمد إلى “تصفية أصول استراتيجية لتمويل المشاريع”، بما يعكس ضغوطًا مالية متزايدة على نموذج الإنفاق القائم، واعتمادًا متناميًا على بيع كل ما يمكن بيعه لضمان استمرار المشاريع الضخمة المرتبطة باسم ولي العهد.
أثر تعديلات الرسوم الجمركية:
الزيادات المقترحة في الرسوم الجمركية تضرب مباشرة صميم سلة الغذاء الأساسية للمواطن، لأنها ترفع تكلفة السلع المستوردة منذ لحظة دخولها الميناء، ومع كل زيادة تُضاف الرسوم إلى السعر الأصلي ثم تُحمل فوقها ضريبة القيمة المضافة، فيرتفع الثمن النهائي الذي يصل إلى يد المستهلك.
هذه الحلقة المتتالية تجعل التضخم المستورد أثقل وقعًا، وتحوّل أبسط حاجات الأسرة ذات الدخل المحدود إلى عبء يومي متصاعد.
وفي الوقت نفسه، تُبرَّر هذه الإجراءات بأنها ضرورية لتمويل المشاريع العملاقة، رغم أنّ تمويلها يأتي أساسًا من بيع أصول استراتيجية طويلة الأجل.
وهكذا يجد المواطن نفسه يدفع ثمنًا مضاعفًا: سلع أغلى، ومستقبل اقتصادي مُرهن لمشاريع لا يملك رأيًا فيها.
ثامنًا: العمالة المهاجرة كضحايا غير مرئيين
بعيدًا عن الأضواء، وثّقت منظمة حقوقية دولية ما وصفته بأنه “عقد من الانتهاكات المروعة” بحق عمال أجانب عملوا في مشروع مترو الرياض، من مصادرة جوازات وتأخير رواتب وظروف سكن غير إنسانية.
هذه الشهادات تعيد طرح سؤال جوهري: من يدفع ثمن سباق المشاريع العملاقة؟
الإجابة تأتي من الميدان: العمال الأضعف، بلا حماية فعلية، وفي ظل نظام يعاملهم كأرقام في عقود المقاولات.
خلاصة الأسبوع:
سلطة تخاف شعبها ولا تتوقف عن تجربته
المشهد العام خلال أسبوع واحد يكشف عن معادلة ثابتة:
سلطة تُحكم بالمال العائلي، وتُلمِّع صورتها بشعارات الرؤية والتحديث، بينما توسّع بيع الكحول، وتفتح الأبواب لآلة الدعاية الإسرائيلية، وتزيد أعباء المواطن الاقتصادية، وتترك العمال والنساء في دائرة القهر، وتطارد الأصوات الناقدة في الداخل والخارج.
في عمق هذه الصورة، يبدو أن محمد بن سلمان لا يثق بالمجتمع الذي يحكمه، فيخشى غضب الشارع من التطبيع، ويحوّل المنصات الرقمية إلى ساحة مطاردة، ويستخدم القانون والاقتصاد والأمن لتثبيت معادلة واحدة:
دولة بلا توازنات، وولي عهد فوق كل مساءلة.