عاجل:
الجهود السعودية في مجال الرياضة: أبعد من تلميع سمعة
هل تعلم 2025-07-16 10:13 875 0

الجهود السعودية في مجال الرياضة: أبعد من تلميع سمعة

لم يعد سراً أن "السعودية" تبذل جهودا لإقحام نفسها في عالم الرياضة. ولعل ذلك يتجلى بوضوح في أحداث كبرى مثل كأس العالم للأندية

لم يعد سراً أن "السعودية" تبذل جهودا لإقحام نفسها في عالم الرياضة. ولعل ذلك يتجلى بوضوح في أحداث كبرى مثل كأس العالم للأندية FIFA 2025 في الولايات المتحدة، حيث تُستغل الفواصل الإعلانية للترويج لـ الساحل السعودي على البحر الأحمر، وتُملأ اللوحات الإعلانية في الملاعب بشعار صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF). هذا الصندوق، الذي يمتلك تريليونات الدولارات من أموال النفط، ليس سوى ذراع استثماري للنظام الحاكم، يُسخر لتعزيز نفوذه وتبييض صورته، خاصة في القطاع الرياضي. لكن مقال تحليلي في صحيفة ips-journal يظهر كيف أن ما عادت المسألة مجرد مسألة تبييض سمعة، تعدته لتصبح الرياضة أداة نفوذ وتحكّم.

 

استثمارات ضخمة لشراء النفوذ وتغطية الانتهاكات:

 

بإيعاز مباشر من محمد بن سلمان، لم تقتصر ممارسات صندوق الاستثمارات العامة على شراء نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي في أكتوبر 2021، بل تعدت ذلك لتشمل استثمارات هائلة في كرة القدم المحلية. يمتلك الصندوق غالبية أسهم الأندية السعودية الأربعة الكبرى، بما في ذلك نادي النصر الذي استقطب مؤخراً النجم العالمي كريستيانو رونالدو بصفقة خرافية تبلغ 550 ألف دولار يومياً، وأكثر من 200 مليون دولار سنوياً، في استعراض صارخ للبذخ في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من المواطنين.

وتُعد صفقة الصندوق مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشأن كأس العالم للأندية ذروة هذه الحملة الممنهجة، حيث دفع مليار دولار أمريكي لتأمين حقوق البث التلفزيوني العالمي عبر منصة DAZN. ولم تتوقف الاستثمارات عند كرة القدم، بل امتدت لتشمل الجولف، ورياضة السيارات، والمصارعة، والملاكمة، والتنس، والرياضات الإلكترونية، في محاولة محمومة لإظهار النظام كلاعب عالمي في كل المجالات. فمع نهاية عام 2024، بلغ عدد الرعايات والاستثمارات الرياضية المباشرة وغير المباشرة لصندوق الاستثمارات العامة 346. وبين عامي 2021 و2023، تجاوز إجمالي استثمارات النظام السعودي ستة مليارات دولار أمريكي في أكثر من 900 اتفاقية رعاية، تتوج باستضافة كأس العالم لكرة القدم في عام 2034، في تحدٍ سافر للمجتمع الدولي وقيمه.

تقول صحيفة ips إن هذه الاستثمارات الضخمة ليست سوى ستار دخاني لأهداف أبعد. يسعى النظام السعودي، شأنه شأن الأنظمة الخليجية الأخرى، إلى استغلال الرياضة لإضفاء "الجمال" و"التألق" و"اللطف" على صورته الدولية. إنها محاولة مكشوفة لشراء الاعتراف الدولي وتلميع سمعة النظام بعيداً عن ملفاته الحقوقية الكارثية وقمع المعارضين.

كما يسعى النظام لتقديم نفسه كمنظم محترف و"بارع" للأحداث الرياضية الكبرى ومركز للابتكار التكنولوجي. فالمملكة تستغل الرياضة للترويج لنفسها كدولة رائدة في التطور التكنولوجي، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقد أبرمت شركة أرامكو النفطية الحكومية اتفاقيات طويلة الأجل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وفورمولا 1، وفورمولا إي. وبصفتها منتجاً رئيسياً للنفط، يحاول النظام السعودي من خلال هذه الشراكات تجميل صورته كـ "بطل صديق للبيئة" ملتزم بتطوير وقود خالٍ من الانبعاثات والتنقل الكهربائي، في تناقض فاضح مع اعتماده الكلي على النفط، الذي لا يزال يشكّل أكثر من 60% من دخله، وتجاهل الآثار البيئية الكارثية لصناعة النفط.

وتشير الصحيفة إلى أن "النظام" يحاول الظهور كدولة مضيفة ممتازة وعضو جدير بالثقة في المجتمع الدولي، مستغلاً دبلوماسية الرياضة لتصحيح صورته المشوهة، وتغطية ملفات حقوق الإنسان الشائكة، ومحاولة إضفاء شرعية على حكمه الاستبدادي.

بينما يسيطر "النظام السعودي" على أجزاء واسعة من الرياضة خارج الملعب، إلا أنه يظل لاعباً ثانوياً على أرض الملعب، وهذا ما يحاول تغييره بشتى السبل، وفق ما تلفت إليه الصحيفة. ففوز نادي الهلال السعودي بنتيجة 4-3 على مانشستر سيتي المدجج بالنجوم في ربع نهائي كأس العالم للأندية لم يكن مجرد انتصار رياضي، بل كان رسالة بأن كرة القدم السعودية أصبحت تنافسية دولياً، ولو ظاهرياً. تُظهر مقاطع الفيديو لرئيس نادي الهلال، فهد بن نافل، وهو يبكي فرحاً ويحتفل مع الجماهير، مدى تعطش النظام للنجاح في الملعب، ومدى قوة الضغط لتبرير الاستثمارات المالية الهائلة بالانتصارات الوهمية.

وهو أمر يتعلق، وفقا للكاتب سيباستيان سونز، بالهيبة والرغبة في أن يُؤخذ "النظام" على محمل الجد. فوز الهلال على مانشستر سيتي، الممول من الإمارات، حمل دلالات إضافية، إذ يعكس التنافس المستمر بين الأنظمة الاستبدادية، ليس فقط في الحضور التجاري والنفوذ، بل يمتد ليشمل المجال الرياضي أيضاً. وهكذا، ترمز هذه الانتصارات إلى التنافس المتزايد بينهما، وتعزز صورة الكرم والتألق والجمال التي يسعيان لإظهارها.

الدكتور سيباستيان سونز هو عالم في معهد الأبحاث CARPO ويقوم بإجراء أبحاث في المقام الأول حول السياسة الاقتصادية والخارجية والاجتماعية والتنموية والرياضية لممالك الخليج العربي، يعتبر أنه لأجل تحقيق هذه الصورة، يحتاج "النظام" إلى قصص عاطفية مع أبطاله المزعومين ليُظهر أن المال والنفط ليسا وحدهما من يسيطران على الرياضة، بل كذلك مواهبها المحدودة. تُسوق الرياضة بفعالية من خلال العواطف، ولهذا فإن نجاح الهلال والمنتخب الوطني يُعد أثمن من المليارات المُستثمرة في نظر النظام. فهما يُحققان ثلاثة أهداف قمعية: أولاً، يُنتجان عوائد من خلال التأثير العاطفي، وهو ما يعزز شرعية النظام الحاكم. ثانياً، يُرسخان هوية داخلية زائفة، مما يُعزز سلطة الحكام المستبدين. ثالثاً، يُثبتان إمكانية كسر الاحتكار الغربي للرياضات، ولو بشكل متقطع، لإرضاء الأنا القومية للنظام.

وهنا ينوّه سانز، إلى أنه من السذاجة الاستمرار في توصيف الأنظمة الخليجية بأنها مجرد "مُلمّعة للسمعة الرياضية". ففي ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب، أصبحت الرياضة وسيلة لبسط النفوذ والتنويع الاقتصادي، ومادة لتعاون الأنظمة الاستبدادية مع القوى الغربية. تُنظر إلى هذه العملية في الغرب غالبًا برفض وإدانة أخلاقية، لكن الحقيقة أن هذه الأنظمة تُعد جهات مانحة رئيسية تضخ تمويلًا جديدًا في دورة الأعمال الرياضية. ومع ذلك، لا يُسمح لها باللعب على قدم المساواة، إذ يُنظر إليها باستعلاء على أنها جهات خارجية غريبة. هذا المعيار المزدوج يُمثّل فرصة ضائعة للتأثير الإيجابي، وبدلاً من ذلك يصبح الغرب شريكاً في تلميع صورة الأنظمة القمعية.

يشير الكاتب إلى مفارقة يتعامل فيها الغرب مع هذه "الأنظمة" القمعية: "غالبًا ما تُمجَّد هذه الأنظمة كنماذج للتنمية الاقتصادية، أو تُشيطن كأنظمة قمعية لا تحترم حقوق الإنسان. هذا الافتقار إلى الوضوح يُعيق الفهم الحقيقي. وقد يؤدي هذا إلى ترسيخ العلاقات السطحية، حيث يتحدث الطرفان وجهاً لوجه، ولكن ليس مع بعضهما البعض. لكن من الواضح أنهما لم يعودا شريكين بالاختيار، بل شريكين بالضرورة. لذا، تُتيح الرياضة فرصة للتعاون الملوث، بدلاً من التشهير المتبادل الذي قد يكشف الحقائق".

كما يلفت إلى أنه بينما تُظهر نجاحات الهلال أن الأندية السعودية قادرة على منافسة كرة القدم الأوروبية، إلا أن الموهبة السعودية لم تلعب دورًا يُذكر فيها، إذ شارك ثلاثة لاعبين فقط من المنتخب السعودي – ناصر الدوسري، ومتعب الحربي، ومحمد كنو – في التشكيلة الأساسية التي هزمت مانشستر سيتي.
 

آخر الاخبار