عاجل:
الإعلام الغربي يشمت بقمة الدوحة
من الإعلام 2025-09-20 09:50 1450 0

الإعلام الغربي يشمت بقمة الدوحة

في الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية سحق قطاع غزة، موقعةً عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال

في الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية سحق قطاع غزة، موقعةً عشرات الآلاف من القتلى من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، اجتمع قادة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في العاصمة القطرية الدوحة، في محاولة لإظهار الدعم لقطر بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعًا لقيادات من حركة حماس في المدينة. غير أنّ ما خرج عن القمة لم يتجاوز حدود البيانات اللفظية، إذ اكتفى القادة بإصدار بيان مطوّل أدان إسرائيل وأكد التضامن مع قطر، دون أن يتضمن أي إجراء عملي أو ملموس.

 

مقارنة مع لحظة 1973:

 

في هذا السياق، تتناول الصحافة الأجنبية هذه المواقف بكثير من الاستهزاء والعجب. مواقف هذه الدول التي وصفتها قناة CNN بالعبثي، كشف عن حقيقة صارخة: الثروات الطائلة التي راكمتها دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، لم تتحول إلى أدوات ضغط حقيقية بوجه الاحتلال الإسرائيلي أو داعمه الأساسي، الولايات المتحدة. فبعد عقود من الطفرة الاقتصادية، لا تزال هذه الدول إما عاجزة أو غير راغبة في اتخاذ خطوات حقيقية لردع الجرائم الإسرائيلية أو حتى لتخفيف وطأة المأساة الإنسانية في غزة.

تعود CNN بالذاكرة إلى أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين اجتمع وزراء النفط العرب بقيادة "السعودية" في الكويت، واتخذوا قرارًا تاريخيًا بخفض الإنتاج وفرض حظر نفطي على الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة لإسرائيل في حرب أكتوبر. وقد شكّل ذلك الحظر نقطة تحوّل أثّرت بعمق على الاقتصاد العالمي وسرّعت من المساعي الدولية لفرض وقف إطلاق النار.

لكن المفارقة، كما تشير القناة، أنّ الدول نفسها التي امتلكت حينها الجرأة على مواجهة الغرب بسلاح النفط، تبدو اليوم عاجزة تمامًا، رغم أنّ الجرائم الإسرائيلية في غزة وصفتها لجنة تابعة للأمم المتحدة بأنها إبادة جماعية.

القمة التي أتت في ظل تنامي أعداد الضحايا حيث تجاوز عدد الضحايا المُسجّلين اليوم في غزة 65 ألف، عدا عن المفقودين الذين يضاعفون هذا الرقم، وأغلبهم من النساء والأطفال، وفي ظل هجوم عسكري شامل يدمّر البنية التحتية المدنية ويحاصر السكان. ومع ذلك، لم تقدّم هذه القمة التي استضافتها الدوحة سوى بيان دبلوماسي عقيم لم يوقف حتى لحظة واحدة من المذبحة، حيث أعلنت القوات الإسرائيلية صباح اليوم التالي مباشرة بدء عملياتها البرية في المدينة.

يُوضح المحلل رامي خوري، من الجامعة الأمريكية في بيروت، أنّ الحكومات العربية لم تحقق سيادة حقيقية طوال القرن الماضي، إذ ظلت تعتمد على القوى الأجنبية في رفاهيتها وحمايتها وبقائها. هذه الحقيقة، كما يرى، تفسر العجز الحالي: فما كان يومًا قرارًا استراتيجيًا مستقلاً كحظر النفط، بات اليوم مجرّد بيانات جوفاء تصدر بانتظار إشارة من واشنطن.

وحتى الدول التي ترفع شعارات التضامن مع فلسطين، مثل قطر، تبقى مكبّلة بارتباطاتها مع الولايات المتحدة. ففي عام 2022، صنّفت واشنطن قطر حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو، وتحتضن الدوحة أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط. الأمر نفسه ينطبق على السعودية والإمارات، اللتين تربطهما علاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن، تجعل أي تفكير في الضغط الفعلي على إسرائيل محكومًا بالفشل قبل أن يبدأ.

الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي، وفي تصريحات نقلتها صحيفة البيان الإماراتية الحكومية، دعا الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها على كيان الاحتلال. لكن هذا الخطاب يعكس ذروة الارتهان، إذ يختزل “التحرك العربي” في رجاء الإدارة الأمريكية التدخل. وما يزيد من عبثية هذا الموقف أنّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب علّق ساخرًا في أغسطس/آب الماضي قائلًا: "الأمر متروك لإسرائيل" لتفعل ما تشاء في غزة، ما يعني أن الرهان على واشنطن ليس أكثر من وهم مكرّر.

 

السلطات السعودية في قلب التناقض:

 

من اللافت أنّ "السعودية"، التي قادت عام 1973 قرار استخدام النفط كسلاح للضغط، تبدو اليوم عاجزة عن مجرد التفكير في تكرار التجربة، بل باتت بعيدة كليّا عنها حتى وإن كان في إطار . بل على العكس، تستثمر السعودية مليارات الدولارات في مشاريع “رؤية 2030” وتسعى إلى جذب الاستثمارات الغربية، بالتوازي مع الانخراط في مسار التطبيع غير المعلن مع الاحتلال. وبالتالي، فإن الحديث عن مواجهة "إسرائيل" أو الضغط عليها بات يتناقض مع أولويات "السلطة السعودية"، التي تضع حماية علاقاتها مع واشنطن في رأس أولوياتها.

النتيجة النهائية واضحة: قمة الدوحة لم تغيّر شيئًا. "إسرائيل" ماضية في عملياتها، والولايات المتحدة تواصل دعمها، فيما تكتفي الحكومات العربية بالتصريحات. تقرير CNN قال صرآحة أن هذه الأنظمة، رغم ما تمتلكه من إمكانات مالية وسياسية، تفضّل الاستسلام للهيمنة الغربية والتغطية على عجزها بشعارات فارغة، بدلاً من اتخاذ مواقف حقيقية كالتي اتُخذت عام 1973.

بين لحظة الحظر النفطي عام 1973 ومشهد قمة الدوحة 2025 مسافة طويلة من التراجع والانكشاف. آنذاك، امتلكت "السعودية" وأشقاؤها العرب جرأة لحظية لاستخدام سلاح اقتصادي فعّال أربك الغرب وأجبر الاحتلال على التراجع. أما اليوم، فقد تحوّل القادة العرب إلى مجرّد متوسلين، يعلّقون آمالهم على تدخل رئيس أمريكي "متقلب المزاج"، في وقت ترتكب فيه "إسرائيل" إبادة جماعية أمام أعين العالم.
 

آخر الاخبار