بقلم: فيصل التويجري
لن يكشف أحد من المشرعين الأمريكيين الثمانية الذين استمعوا الى احاطة مديرة الاستخبارات الأميركية جينا هاسبل، عما أخبرتهم به، لكنهم خرجوا جميعاً بقناعة "كاملة" بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو متورط ومسؤول عن جريمة قتل مواطنه الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. هذا الاستنتاج يتناقض تماماً مع ما خلص اليه البيت الأبيض انطلاقاً من نفس المعلومات التي قدمتها هاسبل، ويفتح باب التكهنات بشأن ما سيستقر عليه الموقف الأمريكي من قضية خاشقجي في ظل هذا التضاد بين رؤية الكونغرس ورؤية البيت الأبيض حولها.
الشك الأقرب الى اليقين، أصبح اليوم يقيناً تاماً وللمفارقة السياسية بفضل مديرة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل، وليس برغبتها بل تحت ضغط والحاح مجلس الشيوخ، حيث أجابت عن أسئلة تزيد من حرج البيت الأبيض والرئيس ترامب بشأن دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي. خرجت هاسبل من الجلسة المغلقة التي ضاقت أكثر بسببها دائرة اتهام أعضاء الكونغرس للأمير محمد بن سلمان. وهنا هل ينفع بعد الآن أن يسبق الرئيس ترامب جمله تعليقاً على القضية التي ترجح إعادة النظر في علاقات واشنطن بالرياض بـ "قد أو ربما أو لا يوجد دليل دامغ على إدانة ولي العهد السعودي"، فما سمع في احاطة مديرة السي أي إي عن ملابسات قتل خاشقجي زاد من غضب الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس من موقف إدارة ترامب. كما وعزز قناعة بعضهم، ان لم يكن جميعهاً بأن الوقت قد حان للرد على الجريمة المروعة.
وبعد أقل من 24 ساعة، وبالرغم من أن يوم أمس كان عطلة فدرالية أعلن عن اجتماع للكونغرس لمناقشة العلاقات مع السعودية وحرب اليمن. وبحسب معطيات فان الدقائق الأولى لانتهاء احاطة هاسبل، المؤجلة من الأربعاء الماضي، لم تكن برداً وسلاماً على البيت الأبيض والتصريحات النارية لأعضاء مجلس الشيوخ أضافت مزيداً من البارود للحرب الدائرة بين الكونغرس وإدارة ترامب. وعلى النقيض تماماً من الرئيس الأمريكي قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والسيناتور الجمهوري، بوب كوركر، أنه "ليس لديه أدنى شك الآن بأن ولي العهد أمر بالفعل بعملية الاغتيال وراقبها وعرف ما يحدث وأعد لها مسبقاً". وأضاف كوركر أنه "لو وقف ولي العهد أمام هيئة محلفين لأدين بالجريمة خلال 30 دقيقة".
"محمد بن سلمان هو قوة هدامة وأعتقد أنه متواطئ في قتل خاشقجي الى أبعد الحدود"، هكذا جاء تعليق السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام فور انتهاء هاسبيل احاطتها. وقال غراهم أنه لا يرى محمد بن سلمان شريكاً تعول عليه الولايات المتحدة واذا وقعت السعودية في يد هذا الرجل فترة طويلة من الزمن فانه سيكون عسيراً التعامل معها". وهو في نظر غراهم "رجل مجنون وقوة مدمرة ويمكن أن يفعل أي شيء".
وفي هذا السياق وحول التناقض في الرأي بين البيت الأبيض والكونغرس بعد الاطلاع على تقرير السي أي إي، يرى ويليام لورانس أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن أن كلا الطرفين يفهمان المعلومات المقدمة إليهما من وجهة نظر مختلفة والتي تدعم موقفهما العلني في قضية اغتيال خاشقجي. واعتبر لورانس أن التحدي الذي يواجه ترامب والبيت الأبيض يتمثل في ثورة الحزب الجمهوري المحسوب على ترامب ضده، بالإضافة إلى ما يمثله إطلاع مجلس الشيوخ على إحاطة هاسبل التي كانت سببا في تغيير 14 سيناتورا أميركيا آراءهم خلال الأسبوع الحالي ليعلنوا قناعتهم بتورط بن سلمان.
اذاً كيف سيتعامل الرئيس الأمريكي مع الوضع بعد الآن؟، وهنا نقلت رويتر عن مصادر من داخل البيت الأبيض أن الأخير سيقدم بدوره احاطة لكامل أعضاء مجلس النواب بخصوص السعودية في 13 من الشهر الجاري، وهنا يطرح السؤال التالي نفسه هل هي محاولة لخلق قناعة موازية بين المشرعين تعزز ما يقوله ترامب أو تزعزع ما خلص اليه من استمعوا الى هاسبيل؟ وهل يملك ترامب أوراقاً أخرى لتأخير ما هو قادم أي الرد القوي للكونغرس عن الجريمة البشعة في حق سعودي كانت واشنطن منفاه الاختياري.
وفي الحالتين يصر الكونغرس على التمييز بين السعودية وولي عهدها لدى الحديث عن العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والرياض، فالسعودية وولي عهدها كيانان منفصلان كما يقول الكونغرس، خلافاً لإصرار ترامب عمداً ربما على اختزال تلك العلاقة في شخص محمد بن سلمان. اذاً على ما يبدو أنه في لحظة فارقة وحاسمة سيضطر الرئيس الأمريكي للاختيار بينما يريد وما تفرضه وتحتمه قرارات الكونغرس المستاء منه أكثر من أي وقت مضى.