بقلم: فيصل التويجري
خلال مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في بغداد مع نظيره العراقي محمد الحكيم، أكد ظريف رغبة بلاده في تأسيس علاقات متوازنة مع دول الجوار العربي في الخليج، كاشفاً في هذا الصدد مقترحاً يبدو في هذه اللحظة بعيداً عن أجواء التحشيد وعدم الثقة التي تحكم العلاقة بين دول المنطق.
بتصريحات ظريف، تكون إيران قد دحرجة الكرة الى ملعب الدول الخليجية. حيث ذكر باقتراح لا يزال على الطاولة وهو ابرام اتفاقية عدم اعتداء بين دول الخليج. وللمفارقة، فقد قال هذا الكلام من بغداد وهي من المفترضة ساحة معركة بين طهران وواشنطن ولو احتدم الخلاف واشتد الكباش بين الطرفين من المؤكد سيظهر على الساحة العراقية أولا، كما أن للمكان دلالة بلا شك.
فبعض دول الخليج المقصودة بتصريحات ظريف، تنفتح على بغداد والأخيرة تتمتع بعلاقات أكثر من أن تكون باردة وأقل من أن تكون دافئة مع واشنطن، بما يؤهلها بنقل الرسائل إذا أرادت بقية الأطراف تبريد الأزمة أو حتى تأزيمها. ولا يكتف ظريف بالتذكير بمقترحه بل يحرص على نقله برسائل القوة، فطهران التي تريد نزع فتيل الأزمة ليست بموقع الضعيف بحسب وزير خارجيتها، بل ستدافع عن نفسها وبشراسة ان اعتدي عليها اقتصادياً أو عسكريا.
لكن المقترح وفق الكثيرين، يبدو بعيداً من التحقق خاصة أن إيران بحد ذاتها تعلم ذلك، لكنها تريد ربما احداث شرخ في الرواية الأمريكية الخليجية حولها. فلم لا نفصل بين ما هو إقليمي وما هو دولي، فاذا الشأن كان يتعلق بضفتي الخليج فثمة مخرج آمن غير الحماية الأمريكية المكلفة، وهو عدم الاعتداء وإذا قبلت هذه المقاربة فذلك يعني احداث صدع في رواية واشنطن التي تتحدث باسمها وباسم الخليج في الوقت نفسه عن تهديد إيراني.
وفي رأي البعض أن طهران تسعى من خلال هذه الخطوات الى تجنب الحرب وحشد مناصرين لها في العالم، ولا بأس لها في ذلك تفضيل ما هو أخلاقي لتجنب الحرب على ما هو سياسي يتمثل بقنوات خلفية يعتقد بأنها مفتوحة بعسر شديد.
الخليج بنظر الكثرين قد أصبح في الآونة الأخيرة خلجاناً سياسية تتصارع من تحت الطاولة فثمة من حورب داخله وشيطن وحوصر وثمة من فضل البقاء على المفترق كمسقط التي استقبلت الرئيس الإيراني حسن روحان وتحتضن بكتمان لافت لقاءات سرية أفضت في السابق الى اتفاق نووي، وعندما قرعت طبول الحرب في الخليج استقبلت مسقط وزير الخارجية الإيراني لتستكشف من خلاله سبل تنفيس التوتر وتجنيب المنطقة أهوال الحرب.
وعلى الطرف الآخر ثمة الشريكان ولي عهد الرياض وولي عهد أبو ظبي، وكلاهما تيار متشدد فيما تبقى من المنظومة الخليجية المهترئة، وهما يريدان الحرب ويحشدان ويجيشان استعداداً لها، وهو ما يجعل اقتراح طهران بعدم الاعتداء غير واقعي وان كان محرجاً للبعض لو نشبت الحرب وتكبدت الخسائر وذكر بأن حلولاً كانت على الطاولة وكان بإمكانها أن تنقذ وأن تنجي.
ومن هنا يحق لنا التساؤل، هل ثمة مسؤولية أخلاقية ثقيلة قد يتحملها البعض في القادم من الأيام؟ ولعل الجواب يكون ربما في الرياض التي دعت الى ثلاث قمم خليجية وعربية وإسلامية في العشر الأواخر من شهر رمضان، وبحسب البعض هذه القمم ستبحث إضفاء غطاء متعدد المستويات على حرب محتملة يسعى كثيرون الى اضرامها ويحاول قليلون تجنب نشوبها. حرب إذا نشبت قد تخرج عن السيطرة وتأتي على أوهام القوة لدى السعودية والامارات، فليس بالسلاح وحده تكسب الحروب وتحسم واليمن الجريح أكبر شاهد على ذلك.