هادي عفارة
لم يترك ولي العهد السعودي سبيلا لاعتلاء عرش المملكة إلا وحاول به، وهاهي تمضي سنتان واكثر على تنصيبه وليا للعهد وحتى اللحظة لم يقترب من كرسي العرش، على الرغم من أن والده الملك سلمان مهد له الطريق على طبق من ذهب لكن تعقيدات الأسرة الحاكمة وكثرة الخلافات بين أبناء العمومة والتي بدأت بإزاحة محمد بن نايف لصالح محمد بن سلمان واستمرت بعد أن اتخذ الأخير مجموعة قرارات صادمة بحق أقربائه وكبار الشخصيات السعودية من اعتقالات واقصاء وصولا إلى الانتكاسة التي يتعرض لها ولي العهد في جميع الملفات التي قرر الخوض بها.
قمع وخوف
لم يكن احد يتوقع من الغرب والشرق أن ينقلب على نفسه بهذا الشكل المفجع، فقد اتخذ هذا الأمير الشاب على عاتقه مهمة وضع البلاد على سكة الاصلاح والحداثة بما يتناسب مع روح العصر وفقا للرؤى الغربية التي قرر الانفتاح عليها دون الأخذ بعين الاعتبار أن السعودية التي حكمتها عائلته لأكثر من قرن أخذت طابع ديني محافظ لا يمكن تجاوزه بسهولة، إلا أن ولي العهد تجاوز هذا الخط الأحمر ما ألب عليه المؤسسة الدينية ودعاتها ولم يكن هناك حل أمامه سوى الاعتقال، وبالفعل اعتقل كبار رجال الدين وما زال يعتقل حتى اللحظة دون جدوى، هذا الأمر نفسه قام بتطبقيه على الجانب الآخر "النشطاء" الذين كان من المفترض أن تتم حمايتهم من قبل ولي العهد إلا انه اعتقلهم ايضا بما يخالف الرؤية التي كان قد قدمها للشعب، وهذا ما جعل الغرب يشكك باستمراريته في حال استمر بمثل هذه الحملات، وبدأ الغرب الذي كان يستبشر به خيرا يحارب الأمير الشاب على سياسته القمعية الاقصائية، وحدثت مشاكل على خلفية هذا مع دول مثل كندا والمانيا والنمسا وغيرها.
في الاقتصاد أيضا تعرض مشروع بن سلمان لنكسة قبل ان يولد حتى، وتم اجهاض مشروعه من قبل والده الملك سلمان لكن القصة لا تقتصر على قرار والده برفض عرض أسهم للاكتتاب العام لشركة ارامكو من أجل تفعيل النشاطات الاقتصادية غيرالنفطية والتي تقلل الاعتماد على النفط على اعتبار أن اقتصاد البلاد يعتمد بشكل كلي تقريبا على عائدات النفط، ومن هنا بدأت الرؤية تتصدع وتطوى صفحة من الأوهام التي كان يتوسم بها الشعب بغالبيته خيرا، ولكن الأمور انحدرت لدرجة أن المملكة اقترضت 11 مليار دولار، وسط مخاوف من قبل مستثمرين محليين ودوليين حول تزايد عجز السيولة في المملكة، وتأثيره على الخطط الاستثمارية للسعودية، وهنا يجب ان نذّكر بأن المستثمرين اليوم يفرون من المملكة تباعاً، حيث يرى أغلب هؤلاء أن الاستثمار في السعودية لم يعد مجديا وسط أجواء متوترة وقمع واعتقالات بالجملة.
السياسة الخارجية
أحدث بن سلمان شرخا وجرحا عميقا وسط مجلس التعاون الخليجي وقوض مهامه، لدرجة أنه أصبح خارج الخدمة وسط الخلافات بين الدول الخليجية والتي بدأت على خلفية حصار قطر ومحاولة شن حملة عسكرية عليها، وبالرغم من أن هذه المخططات باءت بالفشل إلا أن السعودية والامارات تصران على إكمال الحصار وتحويل قطر إلى جزيرة معزولة حتى لو كان المشروع خاسرا، إلا أن ذلك لن يحدث وبما ان الملك سلمان بدأ بسحب الملفات من نجله تباعا لا نستبعد ان يتدخل شخصيا في حل هذه الأزمة وإن كانت ستحرج الامارات التي تقف بشكل كبير خلف مواقف بن سلمان جميعها.
في اليمن هناك فشل واضح وحالة يرثى لها وصل إليها المشاركون في الحرب على اليمن، فبعد تعثر اي حل في اليمن وفهم الدول المشاركة ان هذه الحرب جوفاء لا يوجد فيها اهداف، انسحبوا جميعا لتبقى السعودية و الامارات غارقتين في وحل اليمن، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الانسانية هناك أكثر واكثر.
سلمان
لا يبقى أمام الملك سلمان حل سوى سحب القيادة من يد نجله وادارة الأزمات التي خلفتها سياسه ولي العهد، ومحاولة تبييض وجه البلاد من جديد، وربما عرض صورا للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده نجله الأمير محمد، وعلم المملكة، بمناسبة اليوم الوطني الـ 88 للسعودية على شاشة إعلانات “ناسداك” الرقمية في ميدان التايمز سكوير في نيويورك، أحد هذه الأساليب.
لمن يلاحظ تحركات بن سلمان هذه الأيام يجد أنه خارج الحدث؛ أي بعد أن كنا نراه يفتتح مشروعا هنا وهناك ويطرح مشاريع ويصدر قرارات، اصبح اليوم يختبئ خلف عباءة والده عله يوصله إلى العرش بعد ان فشل في الخروج عن سرب الملوك السابقين وسياستهم، ليثبت للجميع أن رؤيته فشلت بكل المعايير وان الطريق إلى العرش يمر عبر النهج الكلاسيكي الذي اعتاده آل سعود.